مقدمة:
قاعدة «الجبّ»، من القواعد التي توجب التخفیف للکفار الذین أسلموا حدیثاً، وهي امتنان من الشارع بالنسبة لهم و «الجبّ» في اللغة: بمعنی القطع وفي الاصطلاح أنّ الشارع بسبب إسلام الکافر قد قطع أعماله السابقه ولم یطلب منه قضاءها.
والأعمال بعضها فیه حقّ الناس وبعضها فیه حقّ الله وبعضها یشترك بینهما، وأعمال اعتقدها قبل إسلامه، وأخری لم یعتقدها...
فهل هذه القاعدة «الجبّ» باقیة بالنسبة إلی بعض الأعمال (کالواجبات الموسَّعة)، وبالنتیجة سقطت ذمته ولم یلزم بشيء کصلاة الآیات التي وجبت علیه في اللزلزلة، أم وجبت علیه تلك الأعمال؟ علی فرض جریانها في الواجبات الموسعة، فهل یجب عليه الحجّ؟ الکافر الذي بقیت استطاعته فهل یجب علیه الحجّ؟ علی ذلك نبحث في أربع مسائل:
المسألة الأولی:
معنی قاعدة الجبّ:
مستند تسمیة هذه القاعدة بقاعدة «الجبّ»، هو خبر: «الإسلامُ یَجـُبُّ ما قبله»،
(وفي المسألة الثانیة نبحث عن تلك الروایة سنداً و دلالةً) ولغة (الجبّ) قد أخذت من خبر: «الإسلامُ یجُبُّ ما قبله»، التي بمعنی القطع.[1] ووجه التسمیة أنّ الکافر حینما یُسلم فواجباته العبادیة علی ذمته ولا یلزم علیه القضاء.
فالهدف من هذه القاعدة هو المنّة لإسلامه، فلو قیل للکافر: یجب علیك قضاء جمیع الصلوات والصیام والزکاة، فلو قیل: بحرمة الإسلام وببرکة الفرار عن الکفر والتسلیم لما أمر الله سبحانه وتعالی به، عفی الله تعالی عما سلف، وهذه هي الرغبة منه إلی الإسلام.[2]
في بیان المعنی التفصیلي لقاعدة الجبّ، یناسب أولاً التقسیم الذي ذکره المحقق المراغي حول هذه القاعدة في ست مراحل، فهو قال: کلّ حقّ إمّا یختصّ بالله سبحانه وتعالی، أو مشترك بین الله والناس، أو منحصر بالمخلوقین فیکون حقّ الناس. والکفّار في کلّ هذه الموارد إمّا متدینون بها أو لا... [3]
وفي الفرض الأول: (حقّ الله) کالصلاة، والصیام، والحجّ و... فقاعدة الجبّ تشملهم، لأنّ اطلاق «الإسلام یجُبُّ ما قبله» هو «ما قبل الإسلام»؛ یعني کلّ ما لم یعمل به قبل إسلامه فهو کالعدم، یعني لم یصلّ ولم یصم، فلم یجب علیه قضاؤه.[4] فالقدر المتیقن من هذه القاعدة هو الشمول.
الفرض الثاني: (حقّ الله المختصّ مع اعتقاد الکفار)، فمثلاً لو قتل شخصاً خطأً فیجب علیه عتق رقبة مؤمنة، وأما الآن صار مسلماً فهل هذه القاعدة تشملها أم لا؟
فصاحب العناوین یحتمل احتمالین:
1: إطلاق قاعدة الجبّ «الإسلام یجُبُّ ما قبله» یشتملها، یعني منة من الله سبحانه وتعالی علی ذلك المسلم الجدید، فالعتق معفوّ.
2 : قاعدة الجبّ لا تشمل هذا الفرض، لأنّ ظهور «الإسلام یجُبّ ما قبله» یعني «یجبّ ما قبله ممّا لو کان مسلماً لاشتغلت ذمته به»؛ فهذا المسلم الجدید لم تشمله هذه القاعدة.
لکن یقول صاحب العناوین في النهایة: «الإسلام یجُبّ ما قبله» یشمله فیسقط عتق الرقبة، فمجرد الإعتقاد لایوجب اشتغال ذمته.[5]
الفرض الثالث: الحقوق المشترکة بین الله وخلقه مع عدم اعتقاد الکفار. فمثلاً: أسلم کافر بعد السنین فلم یؤدّ الخمس أو الزکاة، فهل یمکن هذه القاعدة تبرئ ذمته (الخمس والزکاة أمر الله سبحانه وتعالی من ناحیة، ومن ناحیة أخری هي حق الفقراء والمساکین وابن السبیل)، أو الکفارات التي علی ذمته أم لا؟.
هنا ثلاثة أقوال بین الفقهاء:
1: القول الغالب عند الفقهاء: هو شمول قاعدة الجبّ لهذا الفرض، فیسقط من ذمته أداؤه. (الکافر الذي أسلم حدیثاً).
2: القول الثاني: (للسید الشاهرودي)، لا یشمل هذا القول قاعدة الجبّ.
3: القول الثالث: التفصیل سيتضح بعدُ.
الفرض الرابع: الحقوق المختصة بالمخلوقین مع اعتقاد الکفار.
فالحقوق المختصة بالمخلوقین مع اعتقاد الکفار، کالدَین، القرض، الضمان المغصوب، ضمان الإتلاف و... «الإسلام یجُبُّ ما قبله»، لا یشمل، لأنّ هذه القاعدة ترفع کلما کان في شریعة الإسلام، کحدیث الرفع الذي یرفع کلما کان وضعه بید الشارع؛ فأما الذي رفعه لیس بید الشارع فرفعه لیس بیده أیضاً. فهنا یرفع کلما أتی به الإسلام تأسیساً، فلو أتلف شخص مال الغیر ثمّ أسلم فعلیه الردّ بدون شك.
الفرض الخامس: الحقوق المختصّة بالمخلوقین مع عدم تدیّن الکفار.
فهذا الفرض یشمل حقوقاً للمخلوقین أولاً وثانیاً الکفار الذین لم یعتقدوا بها کالقصاص في قتل العمد، و الدیة علی العاقلة في الخطأ العمدي، فلو قتل شخصاً في أیام کفره ثمّ أسلم فهل قاعدة الجبّ ترفع القصاص؟
قال المراغي: إطلاق «الإسلام یجُبُّ ما قبله»، یشمل الحقوق، هذا من ناحیة ومن ناحیة اُخری: المعروف بین الفقهاء: «حقّ المخلوقین لایسقط»؛ فلو أسلم کافر فحقّ المخلوقین لم یسقط ولیس لهذه العبارة عموم حتی یقال: تشمل الدیون والضمانات والسرقة.[6]
فیستفاد من کلمات الفقهاء عدم شمول هذه القاعدة وعدم سقوط الحقوق، لأنّ «الإسلام یجُبُّ ما قبله»، ترفع حکم الکافر الذي کان مکلفاً بتلك الأحکام في زمان کفره.
نظریة السیّد المحقق الخویي= حول هذه القاعدة «جَبّ»:
المحقق الخویي= أنکر هذه القاعدة واعتقد أنها لم تذکر من طرق الأمامیة وذکر= مؤیداً علی هذا المطلب: أنّ رجلاً مسیحیاً زنی بإمرأة مسلمة، ثمّ اُوتي علی المتوکل، فأراد أن یجری علیه الحدّ، ثمّ أسلم. وکان یحیی بن اکثم جالساً فقال: إسلام هذا الرجل مانع لإجراء الحدّ علیه. وقال الآخرون: یجری علیه ثلاثة حدود، لأنه یمکن إسلامه للفرار عن إجراء الحدّ علیه. ثمّ کتب المتوکل صحیفة إلی الإمام الهادي7 وسأل منه7 ذلك الحکم؟ فأجاب7: «یضرب حتی یقتل». النکتة المهمة هي أولاً، حدّ الزنا مئة سوط، فبما أنّ الزاني کان نصرانیاً وفجر بإمرأة مسلمة یقتل. «یُضرب حتی یموت»، ثمّ إنّ یحیی بن اکثم والفقهاء حوله أنکروا ذلك وقالوا: سل عن الإمام الهادي7 أنه لم یکن في القرآن ولا في سنة النبي9. فأجاب الإمام وکتب7: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ٭فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَ خَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ). [7]،[8]
فعلی ضوء هذه الآیة، یصیر معنی الروایة هکذا: هذا النصراني في الحقیقة استهزأ للفرار عن إجراء الحدّ، فأمر الإمام7 بضربه حتی یقتل.
ثمّ إنّ المحقق الخویي= قال: هذه الروایة صریحة بعدم قبول الإمام7 تلك القاعدة، فإنه7 لم یتمسك بهذه القاعدة.[9]
فهل هذه الروایة «الإسلام یجُبُّ ما قبله»، یستفاد منها الإسلام الواقعي والحقیقي أم لا؟
لزوم الإسلام الواقعي حول قاعدة «الجبّ»:
یمکن ثبوتاً إما الإسلام الواقعي بالشهادتین، فبهاتين الشهادتين لا یلزم إن کان واقعیاً، فإنه إن کان ظاهریاً فهذا کاف فیما لو کان ظاهریاً یطرح له أحکاماً کالطهارة، وحرمة ماله ونفسه، وأما في مسألة الجبّ فیجب أن یکون المراد من الجبّ «یجبّ ما قبله»، الإسلام الواقعي فهل یلزم القول بهذا؟
بعبارة أخری، یستفاد جیداً من الأدلة و الروایات أنّ الإسلام هو الشهادتان لفظاً ولو یقال إنّ هذا الشخص یعتقد بالتوحید و وجود الله سبحانه وتعالی، ولایعتقد برســالة رسول الله9، فالملاك هو الإسلام الظاهري، ولو مات یدفن في مقابر المسلمین، ویحکم بطهارته، وحرمة ماله ودمه محفوظة. فهل یمکن القول «الإسلام یجبّ»، هذا موضوع آخر؟
فلا فرق ولو کان إسلامه ظاهریاً ولایعتقد قلباً. فموضوع طهارته وحرمة ماله ونفسه یمکن أن یکون موضوعاً للجبّ، فالإسلام دین واحد. وعلی ذلك فلیس عندنا إسلامان ولایمکن أن یلتزم في الفقه الإسلام الظاهري والإسلام الواقعي. وأما إسلام الرجل النصراني یکون للفرار عن إجراء الحدّ؛ وأسلم النصراني کما قال یحیی بن اکثم: «الإسلام یهدم شرکه وفعله»، فلا فایدة فیه. یکون إسلامه عن الاختیار. والإمام7 تمسّك بالآیة لهذا المعنی، فلامحیص له إلّا الإیمان بالله سبحانه وتعالی.
فلیس عندنا نوعان من الإسلام ولیس في الفقه الالتزام بالإسلام الإنشائي الظاهري؛ وأما یوجد إسلام آخر فیکون موضوعاً لقاعدة الجبّ فهذا الإسلام یکون إسلاماً واقعياً!
القول الثاني: أدلة قاعدة «الجبّ»:
أدلة هذه القاعدة من الآیات والروایات:
الف: الآیات
(قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهـُمْ مَا قَدْ سَلَفَ).
فالله سبحانه وتعالی یقول لرسوله: یا أیها الرسول قل للکفار إن أسلموا یغفر لهم ما قد سلف، فهذه الآیة صریحة علی قاعدة الجبّ؛ فالشیخ الطوسي في المبسوط،[10] والمحقق الحلّي في المعتبر،[11] والعلّامة الحلّي في المنتهی،[12] والتذکرة،[13] والشهید الأول في الذکری،[14] وصاحب الجواهر، قد تمسّکوا بهذه الآیة الشریفة.[15]
(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمـَسِّ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَ أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَ أَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَ مَنْ عَادَ فَأُولئِكَ أصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
القسم الأول من الآیة: (اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ). یستفاد منها أنّ هذه الآیة لا تختصّ بالمسلمین، بل کلّ من أکل الربا. ویوجد في القسم الآخر من الآیة مضمون من قاعدة الجبّ، ویرفع الحکم التکلیفي والعقوبة المحرمة التي فعلها، وکذلك یرفع الماضي من أعماله.
فالطبرسي في مجمع البیان یقول: فالمراد من الآیة: (وَمَن عادَ) لیست مجرد أکل الربا، بل بعد تحریمه قال بالربا أیضاً، ویقول: «البیع مثل الربا». ونقل روایة عن الإمام الباقر7: «من أسلم وتاب عن الأعمال التي ارتکبها في الجاهلیة فالله سبحانه وتعالی یقبل توبته».[16] فلهذه الروایة ظهور بیّن حول قاعدة الجبّ.
إضافة علی ذلك، فسيرة رسول الله9 مع الكفار الذين أسلموا في صدر الإسلام قائمة على هذه القاعدة.
ب: الروایات:
المرحوم المراغي= من الأعاظم الذین یقولون بأنّ مستند هذه القاعدة الروایات، قال: الروایة المشهورة النبویة: «الإسلام یجبُّ ما قبله»، فهذه الروایة قد قبلها الفريقان من الشیعة وأهل السنة.[17]
أمّا في کتب الإمامیة:
فقد جاء في تفسیر القمي في ذیل الآیة الشریفة:
(وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا).[18] قیل: إنّ هذه الآیة نزلت في عبدالله بن أبي أمیة أخي أمّ سلمة. وهو قال لرسول الله9 قبل الهجرة: لن نؤمن لك حتّی تفجر لنا من هذه الأرض ینبوعاً! وهذه الروایة نقلت عن الإمامیة وأهل السنة.[19]
وحینما فتحت مکة، جاء عبد الله ابن أبي أمیة واستقبل رسول الله9 وسلّم علیه. ورسول الله9 لم یجبه، وجاء عند أختها أمّ سلمة وحکی القضیة، فجائت أمّ سلمة وقالت: یا رسول الله9: بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي يَا رَسُول الله9: سَعِدَ بِكَ جَمِيعُ النَّاسِ إِلَّا أَخِي مِنْ بَيْنِ قُرَيْشٍ وَالْعَرَبِ رَدَدْتَ إِسْلَامَهُ، وَ قَبِلْتَ إِسْلَامَ النَّاسِ كُلِّهِمْ؛ فَقَالَ رَسُولُ الله9: يَا أُمَّ سَلَمَةَ إِنَّ أَخَاكِ كَذَّبَنِي تَكْذِيباً لَمْ يُكَذِّبْنِي أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، هُوَ الَّذِي قَالَ لِي: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْـبُوعاً ٭ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهار خِلالَها تَفْجِيراً ٭ أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً ٭ أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَ الْـمَلائِكَةِ قَبِيلًا ٭ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ)؛ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ9: أَ لَمْ تَقُلْ إِنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ قَالَ9: نَعَمْ، فَقَبِلَ رَسُولُ الله9 إِسْلَامَهُ...[20]
البحث في هذه الروایة:
قال المحقق الخویي=: إنّ هذا الحدیث مقطوع البطلان؛ لأنه منزلة رسول الله9 أعلی من أنه9 لایعمل بقوله، أو ینسی وأمّ سلمة قالت له. ثمّ بعد ذلك قبل إسلام عبدالله بن أبي أمیة؟![21]
والجواب عن هذا الإشکال: ربما سلك هذه الطریقة لصالح أمّ سلمة، حتی یقول رسول الله9 له: إنّك هکذا کنت قبل ذلك، واحفظ إسلامك بدقة. فرسول الله9 لم یقبل أسلامه أولاً، ثمّ قبل منه لیحفظ دینه جیداً.
وعلی ذلك فعبدالله بن أبي أمیة أساء أولاً ثمّ قبِلَ رسول الله9 أسلامه لصالح أمّ سلمة، وهذا لم یکن متضمناً لنسیانه9، فقضیة فتح مکة صارت دلیلاً آخر لقاعدة الجبّ.
أمّا کتب أهل السنة:
فقد وردت روایات عدیدة والسید الحکیم= قد أشار في المستمسك إلی تلك الروایات.
منها:
لما انصـرفنا مع الأحزاب، جمعت رجالاً من قريش كانوا يرون رأيي ويسمعون مني فقلت لهم: والله إني لأرى أمر محمد9 يعلو الأمور علوّاً منكراً و إني قد رأيت رأياً فما ترون فيه فقالوا: ما رأيت؟ فقلت: أرى أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده فإن ظهرمحمد9 على قومه أقمنا عند النجاشي فأن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد9 فإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن يأتنا منهم إلّا خير. قالوا: إن هذا الرأي فقلت فاجمعوا ما نهدي له و كان أحب ما يأتيه من أرضنا الأدم فجمعنا له أدماً كثيراً ثم خرجنا حتى قدمنا عليه فوالله إنا لعنده إذ قدم عمرو بن أمية الضمري وكان رسول الله9 بعثه إليه في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه.
قال: فدخل عليه ثم خرج من عنده فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية لو قد دخلت على النجاشي فسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك رأت قريش أني قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد9 قال: فدخلت عليه فسجدت له، فقال: مرحبا بصديقي...[22]
علی ذلك حینما نرجع إلی کتب أهل السنة، نجد تواتراً إجمالیاً، یعنی نعلم أنّ هذا الحدیث صدر عن رسول الله9 ولو کانت الروایات مرسلة أو فیها إشکال سندي أو ضعف.
ثمّ هذه العبارة: «الإسلام یجبُّ ما قبله»، یوجد في کتب مختلفة کالخلاف للشیخ الطوسي، والغنیة لابن زهرة، والسـرائر لابن إدریس، والمعتبر للمحقق الحلّي، والکتب المختلفة للعلّامة الحلي، والشهید في الذکری.
لما ذا هکذا؟ قال المحقق الخویي: هذه الروایة لم توجد في الکتب الفقهية ولا في الکتب الروائية؟! نعم، لم تأت بهذا البیان، ولکن الأصحاب تمسکوا بهذه العبارة: «الإسلام یجبُّ ما قبله»، وذکره المتقدمون والمتأخرون في کتبهم. فهذا الإشکال الصغروي غیر وارد. وأما کبرویاً فالمبنی یختلف معه، وأما من ناحیة الدلالة فسنذکر بعد ذلك.
القول الثالث: شمول قاعدة «الجبّ»بالنسبة للواجبات الموسّعة:
فهل هذه القاعدة تختصّ بالواجبات الموقتة، أم تشمل الواجبات الموسعة؟ وعلی هذا فرض شمولها للواجبات الموسعة، قال بعض بعدم جریان هذه القاعدة في خصوص الحجّ (الذي هو من واجبات الموسعة)، وأشکلوا... وسنذکر هذین المسألتین في البحث.
ویلزم في بیان محل النزاع أنّه لایکون اختلاف بین الفقهاء في هذین المطلبین:
وعلی ذلك تجري هذه القاعدة في الواجبات الموسعة أیضاً؛ والمراد منها الواجبات الموسعة التي لم تذکر لها وقت معین، کالحجّ للمستطیع الذي یجب علیه فوراً ففوراً ولم تقیّد بوقت خاص. فالواجبات الموسعة لاتفوت أصلها، ولو تخلّف بالنسبة للفوریة.
الف. المخالفون لجریان هذه القاعدة:
قال بعض: إنّ هذه القاعدة غیر جاریة في الواجبات الموسعة، لأنّ محل تلك القاعدة
عمل له وقت وتمّ ذلك الوقت للکافر قبل أن یسلم؛ فقاعدة الجبّ تصیر ذلك العمل کالعدم. ولکن العمل الذي له وقت وباق، لأنّ موضوعه باقٍ فلا معنی حینئذ لقاعدة الجبّ أصلاً.
بیان آخر، فطبقاً لهذه القاعدة والمناسبة بین الحکم والموضوع، للجبّ شيء فات ووقته تمّ، وعلی ذلك صارت کالعدم، فلانحتاج إلی الجابر. وعلی ذلك فعبارة «ما قبله» في: «الإسلام یجبُّ ما قبله»، لایصدق في باب الحجّ؛ لأنه لیس فیه زمان معین حتی یقال: قبل الإسلام، أو صلاة الآیات في مورد الزلزلة التي یکون موضوعها باقیاً. «الإسلام یجبُّ ما قبله»، معناه التکلیف الذي ظرفه قبل الإسلام. فإن کان ظرف التکلیف لم یك محدوداً بالزمان وکان موسعاً، فلا تشمل هذه القاعدة.
ب. الموافقون لجریان هذه القاعدة:
بعض الفقهاء کالسید الشاهرودي (تبعاً للعلّامة الحلي، وصاحب الجواهر والسید الیزدي)، اعتقدوا أنّ هذه القاعدة تجري في الواجبات الموسعة بدلیلین:
الدلیل الأول:
إنّ معنی «ما قبله»، «ما استقرّ قبل الإسلام»، فلیس معناه التکلیف الذي قد انقضی ظرفه (قبل الإسلام)؛ وعلی ذلك کلّ تکلیف استقر علی الکافر یرفع کالحجّ، وصلاة الآیات.[25]
الدلیل الثاني:
وإن انکرنا جریان هذه القاعدة في الواجبات الموسعة، فننکرها في قضاء الفوائت، وبالنسبة لقضاء الصلاة والصوم فإنّهم اتفقوا جریان قاعدة الجبّ؛ فلباب قضاء الصلاة والصوم مبنیان: 1. القضاء یحتاج أمراً جدیداً. 2. القضاء یکشف أنّ استمرار الأمر الأدایي، فنفس القضاء لیس أمراً جدیداً، وعلی ذلك فـ «اقض ما فات»، لیس أمراً جدیداً.
وطبقاً للمبنی الثاني للواجب الموقت الذي له القضاء فهو الواجب الموسع في الواقع. وحینما نقول القضاء هو الاستمرار للواجب الأول، فـ «اقضِ ما فات»یقول: ذاك الأصل والملاك لوجوب الصلاة باقٍ ولکن علی نحو تعدد المطلوب. ویجب علی المکلف أداؤه. ولو أنکر جریان قاعدة الجبّ في الواجب الموسع وفي الصلاة ینکر أیضاً؛ لأنّ الصلاة ولو کان واجباً موقتاً، فلیس قضاء تلك الصلاة واجباً موقتاً (طبقاً للمبنی الثاني).
فطبقاً للمبنی الأول (القضاء أمر جدید)، فهذا الأمر الجدید «اقضِ ما فات»، فنفسه موسّع لا الموقّت. فالدلیل الثاني هو ثبوت التلازم بین إنکار جریان تلك القاعدة في الواجب الموسع وإنکار جریانه في قضاء الصلاة.
لذا فلو قبل شخص هذا التلازم وقال: إنّ قاعدة الجبّ لا تجري في الواجبات الموسعة، فلا تجري أیضاً في قضاء الفوائت. والکافر لو شرب الخمر أو زنی في أیام کفره؛ فـ: «الإسلام یجبُّ ما قبله»، فلایجري الحدُّ علی ذلك الکافر؛ أو ترك الصلاة وعصی، یشمله «الإسلام یجبُّ...»، وأمّا القضاء لیس علی عاتقه، فتلك القاعدة ساکتة عنه، ولاتدلّ علی ثبوت القضاء علیه.
فلو قلنا إنّ قاعدة الجبّ لاتشمل الواجبات الموسعة، فبین عدم جریانها في الواجبات الموسعة، وقضاء الصلوات أو قضاء تلازم، فلو قبلنا التلازم فتلك القاعدة تصیر محدودة فتشمل فعل المعاصي فقط، وهذا الأمر خلاف الظاهر. فقول السید الشاهرودي: لِقاعدة الجبّ ظهور لو کان تکلیف علی عاتق الکافر ولم یسلم بعدُ، فذمته مشغولة علی ذلك التکلیف، «لولا الإسلام لکان مقتضیاً للبقاء»، فلو أسلم یرفع ذلك التکلیف المستقر. [26]
ثمّ بعد ذلك یردّ الاشکالات الواردة: 1. لو قلنا إنّ هذه القاعدة لها معنی آخر، أنّ الکافر في أول الوقت کان مکلفاً بالصلاة ولم یصلّ، ثمّ بعد دقائق أسلم فطبقاً لهذه القاعدة «الإسلام یجبُّ ما قبله»، یرفع وجوب الصلاة علی الکافر والحال لایقبل شخص ذلك الکلام.
وأجاب: صرف الوجود یکون موضوعاً للوجوب، فالآن أسلم فالموضوع موجود؛ فلو لم یبق الموضوع لقلنا «الإسلام یجبُّ»، یرفع الوجوب.
بیان آخر: تجري قاعدة الجبّ حینما یرفع الموضوع، وأمّا في داخل الوقت فالموضوع باق فیجب علیه أداء الصلاة، مثل الصبي لو صار بالغاً أثناء الوقت، فیجب علیه أداء التکلیف.[27]
صحیح أنّ قاعدة الجبّ جرت، وهذه الصلاة التی استقرت علیه رفعت وجوبها، أمّا بعد إسلامه فلیس الدلیل علی الوجوب موجوداً مجدداً، لأنه کان وجوباً واحداً وقاعدة الجبّ قد نفت الوجوب فالوجوب الثاني من أین جاء؟ فمثلاً یجب علی المکلف أداء صلاة الصبح ففي أول الوقت استقر وجوب الصلاة علی عاتق الکافر ثمّ بعد إسلامه قد ارتفع وجوبه فلا دلیل حتی یقال قد أوجبت صلاة الصبح علیه.
فالسید الشاهرودي أجاب مجدداً وقال: الموضوع باقٍ.[28]
وفیه:
هذا الجواب من السیّد الشاهرودي= ولم یرفع الإشکال، فالإشکال باقٍ لأنکم أتیتم معنی لقاعدة الجبّ وقلتم ترتفع القاعدة کلّ تکلیف استقرّ، فما الدلیل علی ذلك؟ فیکفي ذلك الوجوب. وببیان آخر: في بقیة الوقت نشك أن الموضوع للوجوب باق أم لا؟ فإنّ الرابطة بین الموضوع وحکمه کالرابطة بین العلة والمعلول، فإن تیقنتم أنّ موضوع هذا الحکم باقیاً فالحکم أیضاً باقٍ، «الإسلام یجبُّ...»، وأما کلّ الإشکال هو إن جاءت القاعدة فلیس عندنا شك بأنّ الموضوع لیس باقٍ، بل تیقنا أنه لیس موضوعاً لأنه کان موضوعاً واحداً وقاعدة الجبّ قد رفعها وتمّ کلّ شيء.
فالإشکال إن أسلم الکافر داخل الوقت فهل قاعدة الجبّ تخصصاً غیر جاریة؟ فکلام السید الشاهرودي= یرجع إلی هذا المطلب: إنّ قاعدة الجبّ غیر جاریة تخصصاً لأنّ الموضوع باقٍ، فیشکل علیه بأنّه لادلیل علی بقاء الموضوع، لأنه بعد إسلامه لم یبق الموضوع لأنه لم یصلّ أول الوقت وعلیه أن یصلي فإن صلی فهو صحیح (خلافاً للکافر لأنه إن صلی أول الوقت لا یصح)، فإن تأخر فهذا تخییر عقلي والشارع قد قال: أنت مخیر من أول الوقت إلی آخره، فهذا تخییر عقلي فإن لم یصلّ فالموضوع باقٍ عند الوقت الثاني، ثمّ الوقت الثالث إلی آخر الوقت، فالقاعدة قالت: «الإسلام یجبُّ»؛ فلاتکلیف لك أصلاً فلیس عندك تکلیف أداء الصلاة في بقیة الوقت.
فعلی قولنا فجریان قاعدة الجبّ موجودة هنا، (یعني إن قلنا وجود قاعدة الجبّ فیمکن جریانها عند قضاء الفوائت)، ولکن عندنا إجماع بأنّ هذه القاعدة غیر جاریة.
النظر الصحیح:
فالمعنی الأول خلاف الظاهر؛ لأنه نقصد بالقاعدة علی نحو تشمل الواجبات التي کان ظرفها قبل حدوث إسلامه، لأنّ هذا المعنی یحتاج إلی قیود زائدة والقرینة فغیر موجودة هنا. فالمعنی الثاني هو الظاهر فترفع تلك القاعدة کلّ تکلیف علی عاتق الکافر قبل إسلامه، فإن أسلم دقائق فلا مانع من جریان قاعدة الجبّ، ولکن الإجماع الموجود صار مانعاً من جریان تلك القاعدة، فلو لم یصل أول الوقت، فنقول أیضاً بالتخییر ونقول: یجب علی الکافر أن یصلي في الوقت الثاني.
وبالنتیجة:
فإما أن نقول: «الإسلام یجبُّ ما قبله»، یرفع العقاب أو نقول: إنّ قاعدة الجبّ غیر جاریة في باب الحجّ، فهذا دلیل علی أن هذه القاعدة قد خصّصت.
الفهرس:
*. القرآن الکریم، بخط عثمان طه.
[1]. الصحاح، تاج اللغة وصحاح العربية 1: 96 ؛ مقایيس اللغة1: 423؛ المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، 2: 89.
[2] . القواعد الفقهية (للفاضل اللنکرانی) :261ـ 262.
[3] . العناوين الفقهية: 494 ـ 495.
[4] . العناوين الفقهية: 494 - 495.
[5] . العناوين الفقهية: 496.
[6]. العناوين الفقهية 2: 498.
[7]. سورة غافر:84 و 85.
[8]. التهذيب 10: 38 ، 135؛ الفقيه 4: 28، 36 ، 50 ؛ وسائل الشيعة؛ 28: 141، ح 34420،2.
[9]. موسوعة الإمام الخوئي23: 130.
[10] . المبسوط في فقه الإمامية 7: 282.
[11] . المعتبر في شرح المختصر2: 697.
[12] . منتهى المطلب في تحقيق المذهب 7 : 90.
[13] . تذكرة الفقهاء (ط - الحديثة) 2 : 328.
[14] . ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة 2 : 353.
[15] . جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 13 : 309.
[16]1. «فله ما أخذ وأکل من الربا قبل النهي، لا یلزمه ردّه قال الباقر7 من أدرك الإسلام وتاب مما کان عمله في الجاهلیة وضع الله عنه ما سلف.» مجمع البیان 2 : 183.
[17] . «و الأصل في ذلك الخبر المعروف المشهور المتلّقی بالقبول المروي عند العامة و الخاصة.» العناوين الفقهية 2 : 494.
[18]. سوره إسراء، آیه 90.
[19] .«والأصل في ذلك الخبر المعروف المشهور المتلقّی بالقبول المروي عند العامةوالخاصة.»، العناوين الفقهية 2 : 494.
[20] . تفسير القمي 2 : 26-27.
[21] . موسوعة الإمام الخوئي 16: 99.
[22] . «أما علمت أن الإسلام یجبّ ما قبله.» شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، 6: 319.
[23] . صحيح مسلم 1: 112، ح 121.
[24]مناقب آل أبي طالب: (لابن شهرآشوب) 2 :364.
[25] . كتاب الحج (للشاهرودي)1: 240- 241.
[26] . كتاب الحج (للشاهرودي)1: 241- 243.
[27] . كتاب الحج (للشاهرودي)1: 245.
[28] . كتاب الحج (للشاهرودي)1: 245- 246.