ميقات الحج

ميقات الحج

وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا (4)

نوع المستند : مقالة البحثية

المؤلف

وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا (4)

محسن الأسدي

ما زلنا في حلقتنا الرابعة من مقالتنا (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا) وبالذات في الآية: 196 من سورة البقرة، التي وردت فيها مفردة: (نُسُكٍ) وهي بداية مقطعٍ قرآنيٍّ كريمٍ (البقرة 196 - 203) يخصّ أحكام الحجّ والعمرة وشعائرهما، ويُعدُّ المقطع القرآني الأوسع الآمر بإتمام كلّ من الحجّ والعمرة بمناسكهما وسننهما وحدودهما وشرائطهما، ولهم في المراد من الإتمام المذكور أقوال متعدّدة في كتب التفسير لمن يريد المزيد...

(وَأَتِمُّواْ الْـحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْـهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الـْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْـحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْـهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْـحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الـْمَسْجِدِ الْـحَرَامِ وَاتَّقُواْ الله وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).[1]

والذي يتضمن في جزء منه مفردة النسك، وهذا الجزء يسمّى آية الفدية، وفدية الأذى: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ). والذي يمكن وصفه بالاستثناء من حكم الحلق الوارد في الآية: (وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ). إي عدم جواز الحلق أو صحته إلّا بعد أن (يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ). وبالتالي  لا تتحللوا من إِحرامكم حتى يبلغ الـهدي محِلّـه، وينحر أو يذبح.. على اختلاف بينهم في (مَحِلَّهُ) يأتينا.

فكلامنا يتمحوَر حول  هذا الجزء من المقطع المذكور إعراباً ولغةً ونزولاً وبياناً، وبكونه استثناءً ؛ مع ذكر شيءٍ قليلٍ عمّا سبقه؛ لضرورة البحث.

إعراباً:

(وَأَتِمُّوا): الواو عاطفة، وأتموا فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل. (الْحَجَّ): مفعول به: معطوف على الحجّ. (وَالْعُمْرَة للهِ). الجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال، أي خالصاً لوجهه، ولك أن تعلقهما بأتموا، فتكون اللام هي لام المفعول لأجله.

وقد اقتبس الشاعر ذو الرمّة هذا التعبير الجميل، وصرفه إلى مناحي التغزل، فقال وأبدع : تمام الحجّ أن تقف المطايا * على خرقاء واضعة اللثام. جعل الوقوف على خرقاء، وهي محبوبته من بني عامر، كبعض مناسك الحجّ ، التي لا ندحة عن إتمامها ...

(وَلاَ تَحْلِقُواْ...): الواو حرف عطف، (لاَ) ناهية. (تَحْلِقُواْ) مضارع مجزوم بلا والواو فاعل(رُؤُوسَكُمْ) ، مفعول به. (حَتَّى ): حرف غاية وجر ، والجار والمجرور متعلقان بتحلقوا. (يَبْلُغَ) فعل مضارع منصوب بأن مضمرة.( الْـهَدْيُ): فاعل.

النيسابوري  وإنما جاز تذكير الهدي؛ لأنَّ كلَّ ما يفرق بين واحده وبينه بالتاء وعدمه، جاز تذكيره وتأنيثه. قال تعالى: (أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ)[2] (أعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ) .[3] وفي موضع آخر: (مَحِلَّهُ) : مفعول به.

(فَمَن): الفاء استئنافية. وهي فاءٌ للتفريع؛ أي تفريع الحكم الوارد في آيتها على حكم النهي عن حلق الرأس في الآية التي سبقتها.

(مَن): اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ.

(كانَ ) :فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط، واسمها ضمير مستتر يعود على (مَن).

( مِنكُم): الجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال.

 (مَرِيضاً): خبر كان.

(أَوْ) : حرف عطف .

(بِهِ) : الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. والباء في به للالصاق أو ظرفية.

(أَذًى): مبتدأ مؤخر وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين.

(مِّن رَّأْسِهِ ) : الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لأذًى.

(فَفِدْيَةٌ ): الفاء رابطة لجواب الشرط، وفدية مبتدأ محذوف الخبر أي فعليه فدية، والجملة جواب الشرط.

الرازي : ففدية رفع؛ لأنه مبتدأ خبره محذوف، والتقدير: فعليه فدية، وأيضاً ففيه إضمار آخر والتقدير: فحلق فعليه فدية.

( مِنْ صِيامٍ)الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لفدية. (أَو)  :حرف عطف. عطف على صيام.

(أَوْ): حرف عطف.

(صَدَقَةٍ): معطوف على صيام، وفعل الشرط وجوابه خبر من. (نُسُكٍ).

(فَإِذا ) : الفاء استئنافية ، وهي فاء تفريع على الإحصار، وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن.

(أَمِنْتُمْ) : الجملة الفعلية في محل جرٍّ بالإضافة . ..

لغةً:

تكاد معاجم اللغة تتفق على معنى الأذى والأذية .. والاختلاف بينهم قد يقع فيما يذكر من أمثلته ومصاديقه المحتملة له، وهو ما نجده من بعض ما يذكره ابن منظور وغيره من علماء اللغة ومعاجمها أنَّ (الأَذَى) كلّ ما تأَذَّيْتَ به. آذاه يُؤذِيه أَذىً وأَذاةً وأَذِيَّةً وتَأَذَّيْت به .. وقد آذَيْتُه إيذاءً وأَذِيَّةً، وقد تَأَذَّيْتُ به تَأَذِّياً، وأَذِيتُ آذى أَذىً، وآذى .

قال ابن بري: صوابه آذاني إيذاءً، فأَما أَذىً فمصدر أَذِيَ أَذىً، وكذلك أَذاة وأَذِيَّة. يقال: أَذِيْت بالشـيء آذَى أَذىً وأَذاةً وأَذِيَّةً فأَنا أَذٍ؛ قال الشاعر: لقَدْ أَذُوا بِكَ وَدُّوا لو تُفارِقُهُم * أَذَى الهَراسةِ بين النَّعلِ والقَدَم.

وقال آخر: وإذا أَذِيتُ ببَلْدَةٍ فارَقْتُها* ولا أُقيم بغَيرِ دَارِ مُقام.

ابن سيده: أَذِيَ به أَذىً وتَأَذّى؛ أَنشد ثعلب :تَأَذِّيَ العَوْدِ اشْتكى أن يُرْكَبا.  والاسم الأَذِيَّةُ والأَذاة؛ أَنشد سيبويه: ولا تَشْتُم المَوْلى وتَبْلُغْ أَذاتَهُ * فإنَّك إن تَفْعَلْ تُسَفَّهْ وتَجْهَل.

وفي حديث العَقيقة:  أَمِيطوا عنه الأَذى.  يريد الشعر والنجاسة، وما يخرج على رأْس الصبي حين يولد يُحْلَق عنه يوم سابعه. وفي الحديث: أَدْناها إماطةُ الأَذَى عن الطريق  .

وهو ما يؤْذِي فيها كالشوك والحجر والنجاسة ونحوها.

التهذيب: ورجل أَذيٌّ إذا كان شديد التأَذِّي، فِعْلٌ له لازمٌ ..وقوله عزَّوجلَّ: (وَدَعْ أَذَاهُمْ).[4]

 تأْويلُه أَذى المنافقين لا تُجازِهِمْ عليه إلى أَن تُؤْمَرَ فيهم بأَمر. الرجلُ: فَعَل الأَذى؛ ومنه قوله9، للذي تَخَطَّى رِقاب الناس يَوْم الجُمُعَة: «رأَيْتُك آذَيْتَ وآتَيْتَ». «ما ضحّى بمنى شاة أفضل من شاتك».

.. فالأذَى كلّ ما تأذيت به ، ورجل آذٍ : إِذا كان شديد التأذي ، وأصلـه: الضرر بالشيء .. وألحق به الأذى .. وهو ما يحصل من ضرر قليل أو كثير لشخص في نفسه أو جسمه أو ماله ، فيغمّه  ويكدّر عليه صفوه .. 

وللأذية والأذى ذكر عند بعض الشعراء ، فهذا صفي الدين الحلي) ت752 هـ) في ديوانه :

إِنّا لَقَومٌ أَبَت أَخلاقُنا شَرَفاً

أَن نَبتَدي بِالأَذى مَن لَيسَ يُؤذينا.

وهذا إيليا أبوماضي  ( ت1957م ) في ديوانه:

يَأبى فُؤادي أَن يَميلَ إِلى الأذى

حُبُّ الأَذِيَّةِ مِن طِباعِ العَقرَبِ.

وهنا نُشير إلى أنَّ اكتفاء التنزيل العزيز بكلمة(أَذًى) يقول ابن عاشور عنه: (أوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ) كناية عن الوسخ الشديد والقمّل، لكراهية التصريح بالقمّل ... ومن لطائف القرآن ترك التصـريح بما هو مرذول من الألفاظ، وكلمة مِن للابتداء أي أذى ناشىء عن رأسه.

وذكروا: أَنَّ في الآية: (أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ)، مجاز بالحذف؛ لأنَّ الأصل: فمن كان منكم مريضًا فحلق، أو به أذًى من رأسه فحلق، فعليه فدية...

والفدية في الآية، وقد ذُكرت بهذا اللفظ في مواضع من التنزيل العزيز ثلاث مرّات في الآيات...(وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).[5]

(وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أوْ بِهِ أذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ).[6]

(فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ الْمـَصِيرُ).[7]

هي لغةً من فدا يفدي، جمعها فِدْيات وفِدًى ... والفدى، الفداء، الفدية، المفاداة، كلّها بمعنى واحد. ومن ذلك: فَدَيْتُه فِدًى وفِداء وافْتَدَيْتُه؛ قال الشاعر:

فلَوْ كانَ مَيْتٌ يُفْتَدَى، لَفَدَيْتُه

بما لم تَكُنْ عَنْهُ النُّفُوسُ تَطِيبُ

وقوله عزَّ وجلَّ: (وَفَدَيناهُ بذِبْحٍ عظِيم).[8]  أي جعلنا الذِّبح فِداءً له، وخَلَّصناه به من الذَّبح ..

وفي الصحاح : الفدية: من العقوبات المالية، وهي مُدٌّ من الطعام .. ومن معانيها كفّارة ما يقدَّم لله جزاءً لتقصير في عبادة أو لعذر، وبتعبير آخر: ما يفرض من مال أو فعل على مَن لم يأت بالواجب لعذر، كما يخرجه المرخص لهم الإفطار في شهر رمضان، وهي مدٌّ من الطعام عن كلّ يوم فداءً وعِوضاً.( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ).[9] وفدية حلق رأس المحرم؛ لأذًى أصابه به: ذبح شاة، كما في قوله تعالى: (فمن كان منكم مَريضاً أو به أذًى من رأْسه ففِدْية مِن صيام أو صدَقة أو نُسك).  إِنما أراد فمَن كان منكم مريضاً أو به أذًى من رأْسه، فحلَق فعليه فدية، فحذف الجملة من الفعل والفاعل والمفعول للدلالة عليه.. وأما  (نُسُكٍ)، ففيه لغتان ترتبت عليها قراءتان: ضمُّ النون والسين، وبها قرأ الجمهور. وضمُّ النون مع تسكين السين، وهي قراءة الحسن وكذا قرأها الزهري (أونُسُك). بسكون السين.

والنُّسْكُ، وهو مصدر، جمع نسيكة. وهي الذَّبيحةُ يُتَقَرَّب بها إِلى الله تعالى.. يجمع أيضاً على نسائك كصحيفة وصحائف وصحف، وكلما ذبح لله فهو نسيكة..  والنسك: العبادة في الأصل ومنه رجل ناسك أي عابد... ومنه قوله تعالى: (وَ أرنا مَنَاسِكَنا  .)أي مُتعبَّداتنا. وقيل: إنَّ أصل النّسك في اللغة الغسل، ومنه نَسَك ثَوبه إذا غسله، فكأن العابد غسل نفسه من أدران الذنوب بالعبادة. وقيل: النّسك سبائك الفضة، كلّ سبيكة منها نسيكة، فكأن العابد خلّص نفسه من دنس الآثام وسبكها..

فهذا الرازي، وله في الآية مسائل، نكتفي منها بما يخصّ النسك، يقول: «الأولى : أصل النسك العبادة، قال ابن الأعرابي : النسك سبائك الفضة كلّ سبيكة منها نسيكة، ثم قيل للمتعبد: ناسك ؛ لأنه خلص نفسه من دنس الآثام ، وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث، هذا أصل معنى النسك، ثم قيل للذبيحة: نسك من أشرف العبادات ، التي يُتقرب بها إلى الله. 

الثانية: اتفقوا في النسك على أن أقله شاة ؛ لأنَّ النسك لا يتأدى إلا بأحد الأمور الثلاثة: الجمل، والبقرة، والشاة، ولما كان أقلها الشاة، لا جرم كان أقل الواجب في النسك هو الشاة»... وفي قولٍ: والنُّسُكُ والنِّسِيكة: الذَّبِيحَةُ يَنْسُكها العبد لله تعالى، وَقِيلَ: النُّسُك: الدَّمُ، والنَّسِيكة: الذَّبِيحَةُ. ولعلَّ المعنى الأخير هو ما ذهب إليه المشهور، مع أنَّ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ قال: خَرَجَ النَّبِيُّ9 يَوْمَ الْأَضْحَى، فَقَالَ: إنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِي هَذَا الْيَوْمِ الصَّلَاةُ ثُمَّ الذَّبْحُ، فَسَمَّى الصَّلَاةَ نُسُكًا، وَالذَّبِيحَةُ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ تُسَمَّى نُسُكًا؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ). يَعْنِي ذَبْحَ شَاةٍ وَمَنَاسِكُ الْـحَجِّ مَا يَقْتَضِيه مِنْ الذَّبْحِ وَسَائِرِ أَفْعَالِهِ، قَالَ النَّبِيُّ9 حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ».[10] لقد جاء هذا الجزء من المقطع القرآني الشـريف بعد أن أمرنا الله تعالى في بدايته إتمام الحجّ والعمرة: «وأقِـيـمُوا الـحَج والعُمْرَةَ إلـى البَـيْتِ». وفي قراءة: (وَأَتِمُّواْ الْـحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ).

الزمخشري: وقرأ عليّ وابن مسعود والشعبي رضي الله عنهم «والعمرة لله» بالرفع، كأنهم قصدوا بذلك إخراجها عن حكم الحجّ وهو الوجوب. ولهم في المراد من هذا الإتمام كلام يُراجع في مكانه.

وبعدها بيَّن تعالى فيه الإحصار ( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ)، فما معنى (أُحْصِرْتُمْ) وبأي شيء يقع الإحصار؟

معناه المنع والحبس، يقال: حصره عن السفر، وأحصره إذا حبسه ومنعه، قال الأزهري: حصر الرجل في الحبس، وأحصر في السفر من مرض أو انقطاع به.

 قال الزجاج: يقال للرجل: إذا حبس: قد حصـر، فهو محصور. ويقع الإحصار بالعدوّ أو بالمرض والعدوّ...

والإحصار، للطبري في تفسيره كلام مفصل فيه، يراجع في محلّه، ونكتفي ببعض الأعلام، فمنهم على قولين: الأول: أنَّ الإحصار لا يكون إلّا بالعدو، ولا يكون المريض محصراً... الثاني: أنَّه يكون بكلّ حابس من مرض أو عدو أو عذر...

ابن عطية: وقوله تعالى: (فإن أُحْصِرْتُمْ فَماَ استيسَرَ منَ الهـَدي)، قال علقمة وعروة بن الزبير وغيرهما: الآية فيمن أحصر بالمرض لا بالعدو.

وقال ابن عباس وغيره بعكس ذلك، والمشهور من اللغة أحصر بالمرض وحصر بالعدو، وفي المجمل لابن فارس: حصر بالمرض وأحصر بالعدو.

الطبرسي: والإحصار: المنع، يقال للرجل الذي منعه الخوف أو المرض عن التصرف: قد أُحصـر فهو محصر، ويقال للرجل الذي حبس: قد حُصر فهو محصور. وقال الفراء: يجوز أن يقوم كلُّ واحد منهما مقام الآخر. وخالفه فيه أبو العباس المبرد والزجاج. قال المبرد ونظيره: حبسه جعلـه في الحبس، وأحبسه عرضه للحبس، وأقتلـه عرضه للقتل، وكذلك حصره حبسه أي أوقع به الحصـر وأحصـره عرضه للحصـر.. وقولـه: فإِن أُحصرتم فيه قولان: أحدهما: أن معناه منعكم خوف أو عدوّ أو مرض، فامتنعتم لذلك عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وعطاء وهو المروي عن أئمتنا. والثاني: معناه إِن منعكم حابس قاهر.

وقبله ذكر الشيخ الطوسي تفصيلاً: واختلف أهل اللغة في الفرق بين الاحصار، والحصر، فقال الكسائي، وأبو عبيدة، وأكثر أهل اللغة: إنَّ الإحصار: المنع بالمرض، أو ذهاب النفقة. والحصر بحبس العدوّ. وقال الفراء: يجوز كلُّ واحد منهما مكان الآخر...

أما الرازي فقد ذكر كلاماً مفصّلاً نافعاً في تفسيره للآية، لم نتعرض له حذراً من الإطالة.

ثمَّ بينت الآية الحكم المترتب عليه: فإن أحصرتـم أيها الـمؤمنون المحرمون بما فيهم رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وآله الطيبين ...

(فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْـهَدْيِ)، وقد تكررت هذه الآية مرّتين: الأولى: وهم في حالة الإحصار؛ وقد ذكروا أنَّ في الكلام اختصاراً وحذفاً، والمعنى: فإن أُحصرتم دون تمام الحجّ والعمرة، فحللتم؛ (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْـهَدْيِ) أي فعليكم ما استيسر من الهدي... الثانية: وهم في حالة كونهم آمنين؛ (فَإِذَا أَمِنتُمْ) الإِحصار.. أو كنتم في حال سعة وأمن ..  فإذا أمنتم الموانع من العدو والمرض .. أمنتم من خوفكم وبرأتم من مرضكم .. فإذا تمكنتم من أداء المناسك...

(فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْـهَدْيِ...)، (الـْهَدْيِ) والمراد من الهدي الوارد في هذا المقطع القرآني الكريم ثلاث مرات، كما جاء في تفسيرهم للآية.

القرطبي: ألْهَدْيُ والهَدِيّ لغتان. وهو ما يُهْدَى إلى بيت الله من بَدَنة أو غيرها. والعرب تقول: كم هَدِيّ بني فلان أي كم إبلهم. وقال أبو بكر: سُمّيت هَدِياً؛ لأنَّ منها ما يُهْدَى إلى بيت الله، فسمّيت بما يلحق بعضها...

وقال الفَرّاء: أهل الحجاز وبنو أسد يخفّفون الهَدْي. قال: وتميم وسُفْلَى قيس يثقّلون فيقولون: هَدِيّ. قال الشاعر:

حَلفْتُ بربّ مكة والمُصَلَّى

وأعناقِ الهَدِيِّ مُقَلَّداتِ.

قال: وواحد الهَدْي هدية. ويقال في جمع الهدي: أهداء.

الطبرسي: وفي أصل الـهدي قولان :أحدهما: أنه من الـهديّة، يقال: أهديت الـهدية إهداءً، وأهديت الـهدي إلى بيت الله إهداءً، فعلى هذا إنما يكون هدياً؛ لأجل التقرب به إلى الله. والآخر: أنّه من هداه إذا ساقه إلى الرشاد، فسُمّي هدياً؛ لأنّه يُساق إلى الحرم، الذي هو موضع الرشاد. وواحد الـهدي هدية، كما يقال شَرْيَة وشَرْي وتمرة وتمر، وجمع الـهدي هَدِيّ على زنة فعيل، كما يقال: عبد وعبيد، وكلب وكليب. وقيل: واحد الـهَدِيّ هَدِيَّة مثل مطية ومطي، قال الفرزدق:

حَلفْتُ بربّ مكة والمُصَلَّى

وأعناقِ الهَدِيِّ مُقَلَّداتِ.

إذن فالهدي جمع هدية، وهي اسم لكلّ ما يهدى إلى بيت الله تقرباً إليه.

نوع الهدي:

ومع أنَّهم نسبوا عن علي بن أبي طالب وابن عباس أنَّ الهدي: شاة؛ لأنه أقرب إلى اليسر. لكنهم توسعوا في المراد من الهدي حتى تعدّدت أقوالهم: فقالوا: من الغنم. من الأصناف الثلاثة: الإبل والبقر والغنم لا غير. أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة، وأدناه أو أخسّه شاة. وأنَّه على قدر الميسرة ..فيما بعضهم وسّعها حتى جعلها تشمل الأزواج الثمانـية التي جاءت في الآية: 143 من سورة الأنعام: (ثَمَانِيَةَ أزْوَاجٍ مّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْـمـَعْزِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ). أي جعلها هذا الفريق: من الضأن ومن الـمعز ومن الإبل ومن البقر ذكراً منها وأُنثى.

الفروق:

وقد ذكروا فروقاً بين الهدي والفدية؛ وهي موضع تفصيل بين أعلام المسلمين، نجد بعضها خلال هذه المقالة... ، منها: إنَّ الفدية تكون بترك واجب. أو بفعل ممنوع أو محظور من محظورات الإحرام، وهي على التخيير بين صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ: صيام ثلاثة أيام حيث شاء. والصدقة إطعام ستة مساكين لكلّ واحد مدّان، أو عشرة لكلّ واحد مدٌّ، أو يشبعهم. والنسك شاة يذبحها بمكة وفي غيرها على رأي...، والنسك شاة يذبحها فيأكل ويطعم كما في خبـرٍ... موهون بضعف السند والإعراض مع اشتماله ـ والكلام للسيد السبزواري ـ على ما لا يقول به أحدٌ من الأكل من الفداء... وفي قول: لا يجوز الأكل منها، وإذا أكل منها غَرِم ما أكل قلَّ أو كثر. ووقتها متسع، فإن لم يستطع في الحجّ، فيمكنه أن يرسل إلى مكة لتذبح...

وأما الهدي؛ فنسك يجب على المتمتع والقارن... ويقع ذبح الهدي وتوزيعه في الحرم؛ لقوله تعالى: (هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَة).[11]

 أو بحسب نوع الإحرام: فإن كان الإحرام بالحجّ، فالذبح يوم النحر بمنى. وإن كان بالعمرة فمحلّه مكّة. وفي قولٍ: ومحل ذبح هدي المحصر حيث أحصر... وله أن يأكل منه، وأن يتصدق منه، وأن يهدي منه، وله ميقات نهايته آخر أيام التشريق.

ولعلَّ هناك فرقاً مهماً يتضح في حالة عدم وجود الهدي، أو لعجز مالي أصاب الحاج.. تُبيّنه آية: (فَإِذَا أمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْـحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْـهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ فِي الْـحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أهْلُهُ حَاضِرِي الـْمَسْجِدِ اْلحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)...

الشيخ الطبرسي: أي فمَن لم يجد الـهدي ولا ثمنه، فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج ... وسبعة أيام إِذا رجعتم إلى بلادكم وأهاليكم... وذكر ثلاثة أقوال في:  (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ).  أحدها: أنَّ معناه كاملة من الـهدي إِذا وقعت بدلاً منه استكملت ثوابه... وثانيها: أنه لإِزالة الإِبهام؛ لئلا يظنّ أنَّ الواو بمعنى أو فيكون كأنه قال: فصيام ثلاثة أيام في الحجّ أو سبعة إذا رجعتم؛ لأنه إِذا استعمل أو بمعنى الواو جاز أن يستعمل الواو بمعنى أو كما قال:( فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلاثَ وَرُبَاعَ)، قالوا و هاهنا بمعنى أو فذكر ذلك لارتفاع اللَبْس... وثالثها: أنه إِنما قال: كاملة للتوكيد كما قال جرير:

ثَلاثٌ وَاثْنَتانِ فَهُنَّ خَمْسٌ

وَسَادِسَةٌ تَمِيلُ إلى تَمامِ.

وقولـه: (ذلك لمن لم يكن أهلـه حاضري المسجد الحرام). أي ما تقدم ذكره من التمتع بالعمرة إلى الحج ليس لأهل مكة ومن يجري مجراهم. و إنما هو لمن لم يكن من حاضري مكة وهو من يكون بينه وبينها أكثر من اثني عشر ميلاً من كلّ جانب...[12]

و بعد ذلك؛ ذكر المقطع هذه الآية:...  (وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الـْهَدْيُ مَحِلَّهُ). الحَلقُ لغةً: حلَقَ يَحلِق، حَلْقًا وحِلاقةً، فهو حالق، والمفعول مَحْلوق وحليق، حلَق رأسَه ونحوَه: أزال الشَّعرَ أو قسمًا منه. حلَق ذقنَه: شاربَه..

حَلاَّقٌ: (صيغةُ فَعَّال)، حَلاَّقُ الحَيِّ: مَنْ يَحْلِقُ الشَّعَرَ.. والحلق حلق الرأس يقال: حَلَقَ وحَلَّقَ، والمحلق موضع الحلق بمنى والمحلّقِ الحَلاَّق..

مَن المخاطب ؟

واختلف في الخطاب أو النهي الوارد في الآية أهو مخصوص بالمحصرين، أو أنَّ الخطاب لجميع المحرمين محصرين كانوا أو غير محصرين؟ فيما عدا النساء: «ليس على النساء حَلْق إنما عليهن التقصير».

الطبري: النبيُّ9 وأصحابه عام الحديبية لما حصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم، فأما في حال الأمن والوصول إلى الحرم، فلا يجوز الحلق.

الرازي في المسألة الثالثة: قال بعضهم: هذه الآية مختصّة بالمحصر، وذلك لأن قبل بلوغ الهدي محلّه ربما لحقه مرض أو أذى في رأسه إن صبر، فالله أذن له في ذلك بشرط بذل الفدية.

وقال آخرون: بل الكلام مستأنف لكلّ محرم لحقه المرض في بدنه، فاحتاج إلى علاج أو لحقه أذًى في رأسه، فاحتاج إلى الحلق، فبين الله تعالى أنَّ له ذلك، وبين ما يجب عليه من الفدية...

القرطبي: الخطاب لجميع الأمّة مُحصَر ومُخَلًّى، ومن العلماء من يراها للمحصرين خاصة.

الشوكاني: هو خطاب لجميع الأمّة من غير فرق بين مُحْصَر، وغير مُحَصر، وإليه ذهب جمع من أهل العلم، وذهبت طائفة إلى أنه خطاب للمُحْصَرين خاصة.

الشيخ مكارم: ومع الأخذ بنظر الاعتبار عموميّة التعبير الوارد في الآية الشـريفة.. فالأنسب ظاهراً بحيث يشمل المحصور وغير المحصور.[13]

(مَحِلَّهُ)،  اختلف القول في المراد من: (المـَحِلّةِ).

الطوسي: حتى ينتهى إليه. الطبرسي:حتى يبلغ الـهدي محِلّـه وينحر أو يذبح. واختلف في محلّ الـهدي على قولين: الأول: أنَّه الحرم، فإِذا ذبح به في يوم النحر أحل عن ابن عباس وابن مسعود والحسن وعطاء .

والثاني: أنَّه الموضع الذي يصدّ فيه؛ لأنَّ النبيَّ9 نحر هديه بالحديبية،  وأمر أصحابه ففعلوا مثل ذلك، وليست الحديبية من الحرم عن مالك، وأما على مذهبنا فالأول حكم المحصور بالمرض والثاني حكم المحصور بالعدوّ.  وإِن كان الإِحرام بالحجّ،  فمحلـه منى يوم النحر، وإِن كان الإِحرام بالعمرة فمحلـه مكة.

الرازي في المسألة الأولى: في الآية حذف؛ لأنَّ الرجل لا يتحلل ببلوغ الهدي محِله، بل لا يحصل التحلّل إلّا بالنحر،  فتقدير الآية: حتى يبلغ الهدي محِلّه وينحر،  فإذا نحر فاحلقوا. وبمثله قال النيسابوري وغيره. ونوجز ما ذكره الخازن : المحِل : «أي مكانه الذي يجب أن يذبح فيه، وفيه قولان: أحدهما: أنه الحرم، فإن كان حاجًّا فمحلّه يوم النحر، وإن كان معتمراً فمحلّه يوم يبلغ هديه إلى الحرم. والقول الثاني: محلّ ذبحه حيث أحصر سواء كان في الحلّ أو في الحرم، ومعنى محلّه يعني حيث يحلّ ذبحه وأكله...، وأمّا عن المحِل، فقد ذكروا: أي لا تحلّوا من الإحرام حتى تعلموا أنَّ الهدي الذي بعثتموه إلى الحرم قد بلغ مَحِلَّه، وهو الموضع الذي يحلّ فيه ذبحُه. واختلفوا في تعيينه، .. هو موضع الحصر، اقتداءً برسول الله9 حيث أحصر في عام الحديبية... هو الحرم لقوله تعالى: (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيق)،[14] وأجيب عن ذلك بأنَّ المخاطب به هو الآمن، الذي يمكنه الوصول إلى البيت. وحتى الجواب عن نحره9  في الحديبية بأنَّ طرف الحديبية الذي إلى أسفل مكة هو من الحرم. قد رُدَّ بأنَّ المكان الذي وقع فيه النحر ليس هو من الحرم. .

الشيخ مكارم  في الأمثل: فهل أنَّ هذا الأمر يتعلق بالأشخاص المحصورين الممنوعين من أداء مراسم الحجّ، فهو بمثابة تكميل للأوامر السابقة، أو أنه يشمل جميع الحجاج؟ اختار بعض المفسرين الرأي الأول، وقالوا: إنَّ المراد من محلّ الهدي أي محلّ الأضحية هو الحرم. وقال آخرون: إنَّ المراد هو المكان الذي حصل فيه المانع والمزاحم، ويستدل بفعل النبيّ الأكرم9  في واقعة الحديبية التي هي مكان خارج الحرم المكّي، حيث إنَّ رسول الله9  بعد منع المشركين له، ذبح هديه في ذلك المكان، وأمر أصحابه أن يفعلوا ذلك أيضاً...

الطبرسي: (ذهب علماؤنا إلى أنَّ المحصور إذا كان بسبب المرض، فيجب عليه ذبح الأضحية في الحرم، وإذا كان بسبب منع الأعداء، فيجب الذبح في نفس ذلك المكان الذي منع به). ولكن ذهب مفسرون آخرون إلى أنَّ هذه الجملة ناظرة إلى جميع الحجاج، وتقول: لا يحقّ لأحد التقصير أوحلق الرأس والخروج من الإحرام) إلّا أن يذبح هديه في محلّه (ذبح الهدي في الحجّ يكون في منى، وفي العمرة يكون في مكة). وعلى كلّ حال، فالمراد من بلوغ الهدي محلّه؛ هو أن يصل الهدي إلى محلّ الذبح فيذبح، وهذا التعبير كناية عن الذبح. ومع الأخذ بنظر الاعتبار عمومية التعبير الوارد في الآية الشريفة، فالتفسير الثاني يكون أنسب ظاهراً بحيث يشمل المحصور وغير المحصور.[15]

الاستثناء :

هذا وكما أنَّ الآية: (وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْـهَدْيُ مَحِلَّهُ)، تحمل نهياً عامًّا عن حلق الرؤوس قبل الهدي، أي: لا تزيلوا شعور رؤوسكم: يقال: حلق يحلق حلقاً... والرؤوس جمع رأس ... والرأس أعلى كلّ شيء. يعقبها استثناءٌ من هذا النهي، يتمثل بقوله عزَّ وجلَّ: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أوْ بِهِ أذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ)، أخرج أبو داود في ناسخة عن ابن عباس( وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْـهَدْيُ مَحِلَّهُ)، ثم استثنى فقال:  (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أوْ بِهِ أذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ)، كما ذهب إلى هذا الاستثناء الخازن في تفسيره للآية عنها. معناه: ولا تحلقوا رؤوسكم في حال الإحرام، إلّا أن تضطروا إلى حلقه لمرض أو أذى وهو القمل أو الصداع (ففدية)، فيه إضمار تقديره فحلق رأسه فعليه فدية، نزلت هذه الآية في كعب بن عجزة... وراح يذكر بهذا الخصوص عدَّة روايات في كعب...

وكذا سيد قطب: ( وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْـهَدْيُ مَحِلَّهُ)، وهذا في حالة الإتمام وعدم وجود الإحصار. فلا يجوز حلق الرؤوس ـ وهو إشارة إلى الإحلال من الإحرام بالحجّ أو العمرة أو منهما معاً ـ إلّا بعد أن يبلغ الهدي محلّه. وهو مكان نحره. بعد الوقوف بعرفة، والإفاضة منها. والنحر يكون في منى في اليوم العاشر من ذي الحجّة، وعندئذ يحلّ المحرم. أما قبل بلوغ الهدي محلّه، فلا حلق ولا تقصير ولا إحلال. وأما عن الاستثناء، فيقول سيد قطب: واستدراكاً من هذا الحكم العام يجيء هذا الاستثناء (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أوْ بِهِ أذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ)، ففي حالة ما إذا كان هناك مرض يقتضي حلق الرأس، أو كان به أذًى من الهوام التي تتكون في الشعر حين يطول ولا يمشط، فالإسلام دين اليسر والواقع يبيح للمُحرم أن يحلق شعره ـ قبل أن يبلغ الهدي الذي ساقه عند الإحرام محِلّه، وقبل أن يكمل أفعال الحجّ ـ وذلك في مقابل فدية: صيام ثلاثة أيام، أو صدقة بإطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة والتصدق بها. وهذا التحديد لحديث النبيّ9 ، قال: حملت إلى النبيّ9  كَعْب بن عُجْرَةَ.  فقال: والقمل يتناثر على وجهي ما كنت أرى أنَّ الجهد بلغ بك هذا. أما تجد شاة؟ قلت: لا. قال: صم ثلاثة أيام. أو أطعم ستة مساكين، لكلّ مسكين نصف صاع من طعام، وأحلق رأسك... أو مخصصاً  ومتفرعاً عليه. كما عند الآلوسي. (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً)، يحتاج للحلق، وهو مخصص لقوله سبحانه: وَلاَ تَحْلِقُواْ متفرع عليه...

ومن قبلهم جميعاً ما ذكره الطبري...: إلّا أن يضطرّ إلـى حلقه منكم مضطرّ، إما لـمرض، وإما لأذى برأسه، من هوامّ أو غيرها، فـيحلق هنالك للضرورة النازلة به، وإن لـم يبلغ الهدي مـحلّه، فـيـلزمه بحلاق رأسه وهو كذلك، فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك.[16]

سبب النزول:

وقت نزول آية الفدية هذه، وسبب نزولها، في قصة الحديبية في سنة ست، يوم أن حال كفار قريش دون البيت الحرام ...؛ يُبيّنان لنا عناية السماء ورعايتها، حين استجابت لصحابي يحمل شكوًى مؤلمةً، وقع ـ والكلام له ـ القمل في رأسي ولحيتي، وحاجبي وشاربي! والقمل يتناثر على وجهي! يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا الْقَمْلُ قَدْ أكَلَنِي!!  هَذَا الْقَمْلُ قَدْ أَكَلَنِي!

ما جعل الصحابي كَعْب بن عُجْرَةَ، في حالة يراها مَن حوله ويرقُّ له ويشفق عليه! ويردّد كلماته هذه حين راح  يشتكي لرسول الله9 ما حلَّ به، ولم يدرِ أنَّ شكواه صارت سبباً لنزول: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أوْ بِهِ أذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ)، وصارت موضوعاً لحكم شرعي من أحكام الحجّ! وكفى بهذا فخراً وشرفاً لابن عُجرة أن ينزل قرآن في شأنه، يكون فيه بيان للناس كلّهم، ويتضمن حكماً من أحكام الحجّ؛ حتى بقي  ابن عُجْرَةَ  الذي اقترنت به آية الفدية لا يُذكر إلّا وذُكرت معه، ولا تُذكر إلّا وذُكر معها ـ يعيش قصّتها كلما قُرئت آيتها، وذكر ما انبثق منها من أحكام الفدية.. وتفصيل هذه الفدية من أنَّ النسك هو شاة، وغيرها في قولٍ، وأنَّ الصوم ثلاثة أيام، والإطعام مدٌّ أو مدّان، لستة مساكين أو عشرة، ومكان هذه الفدية بعناوينها الثلاثة... كلُّ هذا يُستفاد من الآية، ومن حديث رسول  الله9 وما ترتّب عليه من أفهام وأقوال فقهيّة.. والتي كان لقصة هذا الصحابي دورٌ في سبب نزول الآية وما قرّره رسول الله9، يأتي الكلام عن ذلك كلّه. ولكن بعد أن نوجز القول عن ترجمة كعب هذا: فكَعْب بن عُجْرَةَ ، هو الصحابي البلوي الأنصاري السالمي المدني، فهو من بني سالم بن عوف من حلفاء  الخزرج ، كنيته أبو محمد . وهو الذي كان يُدعى إلى الإسلام فيأبى، مكتفياً بربٍّ دفعه إليه هواه، صنم صنعه بيده، يمسح عنه ما يكون عليه من غبار، يُغطيه بثوب، يكرمه ويعبده ويتوسل به لقضاء حوائجه.. وكان عبادة بن الصامت خليلاً له، وقد أسلم قبله، وكان يرغب في أن يترك كعب عناده، وينبذ عبادة الأصنام، ويُعلن إسلامه.. فقعد يوماً يرصده، فلما خرج كعب من بيته، وكانت زوجته عند أهلها، دخل عبادة ومعه قَدُّوم (قادُوم): أداة للنجر والنحت ) فكسر صنمه، بل راح يفلذه فلذةً فلذةً، وهو يُردّد:

أَلا كلّ ما يدعى مع الله باطل !

أَلا كُلُّ شَيءٍ ما خَلا اللَهَ باطِلٌ!

 فلما أتى كعب فسأل: مَن فعل هذا؟ فقالوا له: عبادة.. أو هو قال: هذا عمل عبادة! فخرج مغضباً، يريد أن يشاتم عبادة، ثمَّ فكر في نفسه، فقال: ما عند هذا الصنم من طائل، لو كان عنده طائل حيث جعله جذاذاً؛ لامتنع ومضى حتى دقَّ على عبادة بابه، فأشفق عبادة أن يقع به، فدخل عليه، فقال: قد رأيت أن لو كان عنده طائل، ما تركك تصنع به ما رأيت، وإني أشهد أن لا إله إلّا الله وأنَّ محمداً رسول الله! فانتهت رحلته في الشـرك حين أتى صديقه عبادة، فأسلم.

وذكروا أنَّ كعباً بلويٌّ من حلفاء الخزرج، وهذا القول لابن سعد، فيما الواقدي قال: هو من أنفسهم. وكان من أهل بيعة الرضوان .. ويبدو أنَّه كان مقطوع اليد، كما يقول مسعر، عن ثابت بن عبيد، قال: بعثني أبي إلى كعب بن عجرة، فإذا هو أقطع، فقلت لأبي: بعثتني إلى رجل أقطع! قال: إنَّ يده قد دخلت الجنة، وسيتبعها ـ إن شاء  الله ! 

دون أن يُبين سبب ذلك، وأين قطعت أفي جهادٍ أو عمل مرضي لله تعالى حتى تستحق الجنّة ؟! فقد ذكروا أنَّ الرجل شهد المشاهد كلَّها مع النبيّ9 شهد الحديبية مع رسول الله9، وبعثه رسول الله9 في سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني مرة بفدك سنة ثمان من الهجرة، وشهد غزوة تبوك مع رسول الله9، وحمل معه في هذه الغزوة واثلة بن الأسقع، وكان واثلة قد قال: من يحملني عقبه وله سهمي، فحمله كعب بن عجرة، فلماء جاء بسهمه إلى كعب، أبى أن يقبله وقال: إنما حملتك لله! وفي خبرٍ :كان كعب بن عجرة وواثلة بن الأسقع فيمن بعثه رسول الله9 من تبوك إلى أكيدر دومة الجندل، فغنم واثلة في هذا البعث ست نياق، أتى بها وفاءً بعهده إلى كعب بن عجرة، الذي خرج إليه من مكانه وهو يبتسم ويقول: بارك الله لك، ما حملتك وأنا أريد أن آخذ منك شيئاً! وقد نزل الكوفة. وعاد إلى المدينة، فتوفّي ودفن فيها إما سنة إحدى أو اثنتين وخمسين هجرية، وهو ابن خمس وسبعين أو سبع وسبعين سنة. ونختم هذا بما ذكره ابن حجر عن الواقدي عنه: كان قد استأخر إسلامه، ثم أسلم، وشهد المشاهد مع رسول الله9، وهو الذي نزلت فيه بالحديبية الرخصة في فدية المحرم إذا مّسه الأذى قوله تعالى: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أوْ بِهِ أذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ). لقد كان هو من الرواة،  له عدّة أحاديث ـ  والكلام للذهبي ـ روى عنه بنوه :سعد، ومحمد، وعبد الملك، وربيع. وطارق بن شهاب، ومحمد بن سيرين، وأبو وائل، وعبد الله بن معقل، وأبوعبيدة بن عبدالله بن مسعود، وآخرون. حدث بالكوفة وبالبصرة فيما أرى.

وذكر ابن عساكر: حدث عن النبيّ9 وعن بلال، روى عنه بنوه: إسحاق وعبد الملك ومحمد والربيع بنو كعب بن عجرة. وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبدالله بن عمرو بن العاص وجابر بن عبد الله وطارق بن شهاب وأبو وائل وزيد بن وهب وعاصم العدوي وعبد الله بن معقل وعامر الشعبي وعبد الرحمن بن أبي ليلى.

وقد  نسبوا  له عدّة روايات في كيفية الصلاة على النبيّ9 منها: عن كعب بن عجرة أنَّ رجلاً سأل النبيّ9، فقال: يا رسول الله، إنا قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة؟ قال: فعلمه أن يقول: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد.

... حدثنا شعبة عن الحكم، قال: سمعت ابن أبي ليلى، قال: لقيني كعب بن عجرة، فقال: ألا أهدي لك هدية، خرج علينا رسول الله9، فقلنا: قد عرفنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلّي عليك؟

 قال: قولوا: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد .

أو عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنَّ كعب بن عجرة رضي الله عنه لقيه، فقال له: ألا أَهديك هديةً سمعتها من النبيّ9؟ فقال له عبد الرحمن: بلى أعطني هذه الهدية، أو فقلتُ: بلى، فأهدها لي. فقال كعب: سألنا رسول الله9: كيف نصلّي عليكم يا أهل بيت النبوّة في التشهد في الصلاة؟...

ومن رواياته :

ما جاء عن ضمام بن إسماعيل: حدّث يزيد بن أبي حبيب، وموسى بن وردان عن كعب بن عجرة قال: أتيتُ النبيَّ يوماً، فرأيتُه متغيراً، قلتُ: بأبي وأمّي، ما لي أراك متغيراً.

«ما دخل جوفي شيءٌ منذ ثلاث». قال: فذهبتُ، فإذا يهودي يسقي إبلاً له، فسقيتُ له على كلّ دلو بتمرة، فجمعت تمراً، فأتيتُه به. 

أتحبني يا كعب؟ فقال:

قلت: ـ بأبي أنت ـ نعم .

قال: إنَّ الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى معادنه، وإنَّك سيصيبك بلاءٌ، فأعد له تجفافاً.قال: ففقده النبيُّ. فقالوا: مريض، فأتاه، فقال له :«أبشر يا كعب»، فقالت أُمّه: هنيئاً لك الجنة!

مَن هذه المتألية على الله؟»فقال النبيُّ9: »مَن هذه المتألية على الله؟ قال: هي أُمّي. قال9  »ما يدريكِ يا أمّ كعب، لعلَّ كعباً قال ما لا ينفعه، أو منع ما لا يغنيه.«

هذا فضلاً عن رواياته المتعدّدة فيما أصابه، ومتنها يُبين كونه كان مبتلًى بالقمل الكثير المتناثر من رأسه، المتساقط على وجهه، وقد تركه يعاني من الأذى الشديد في رأسه، فكان مورداً للآية المذكورة وسبباً لنزولها كما يأتينا..[17]

بعد هذه الترجمة، نعود إلى سبب نزول آية الفدية المذكورة التي تكاد تجمع الأخبار وأقوال المفسرين على أنّ كعباً هذا، وقد تناثر القمل على رأسه ووجهه، وهو يُحدّث (هَذَا الْقَمْلُ قَدْ أكَلَنِي!)، كان سبباً في نزولها؛ والتي طالما راح هو وبنفسه يؤكّد ويُردّد: فِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ! ونزلت فيَّ آية الفدية! نزلت فيَّ خاصّة وهي لكم عامّة!

سواءً سُئِلَ هذا الصحابي عن ذلك أو لم يُسأل، فهو يبادر بالحديث، وكأنَّه مفتخرٌ بقصّته هذه، التي كان بطلها، وقد خُلّدت بخلود القرآن العزيز، ويذكرها كلُّ حاجّ قارئ ذي عناية بالتأريخ،  وكلُّ متابع لحوادث السيرة النبويّة الشريفة..

وظلَّ هذا الصحابي في حياته مسروراً وفرحاً وفخوراً بما حدث له في الحديبية، أو في طرف الحديبية أسفل مكة، وهي من الحرم على رأي، وفي قولٍ: الـحديبـية لـيست من الـحرم، وعن الواقدي: الحديبية على طرف الحرم على تسعة أميال من مكة. وفي بعض الروايات لم تذكر الحديبية، فلعلّ ما حصل له وقع خارجها...

الروايات طائفتان:

وكلا الطائفتين، وإن وردتا بألفاظ متقاربة، بل ومختلفة أحياناً حتى بالمكان: من أنَّ رسول الله9 مرَّ به وهو بالحديبية قبل أن يدخل مكة وهو مـُحرم...  مَرَّ بِهِ رَسُولُ  اللهِ9، وَهُوَ يُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ لَهُ بِالْـحُدَيْبِيَةِ...  مرَّ به النبيُّ9، وقد قرح رأسه، فقال:«كفى بهذا أذًى!...». أنَّ النبـيّ9 أتـى علـى كعب بن عجرة زمن الـحديبـية... إنَّ كعب بن عجرة مرّ بـالنبـيّ9 وبرأسه من... كان بي أذًى من رأسي، فحملتُ إلى النبيّ9 ... لما نزلنا الحديبية جَاءَ كَعْبُ بن عجرة تنتثر هَوَامُّ رَأْسِهِ... لكنها لا تتعدّى كعباً بل تنصُّ عليه، وأنَّه كان موضعاً أو سبباً لنزول الآية المذكورة، ولعلَّ عدداً منها تبع نزول الآية، وقد استدل بها المفسّرون والفقهاء على أقوالهم، وعلى الفدية وأقسامها الثلاثة.

فالطائفة الأُولى: تولّى هو نفسه روايتها .. والتي يتّضح منها أنَّ كعباً لطاما حدّث هو وبنفسه بما وقع له، وبما قال له رسول الله9، وكذا ما حدّث به الرواة عن كعب بن عجرة، نذكر بعضها وبإيجاز فهي كثيرة: جاء عن كعب نفسه، أنّه قال: كنتُ مع النبيّ9 بالحديبية، ونحن محرمون، وقد صدّه المشـركون، فكانت لي وفرة (شعر كثيف)، فجعلت الهوام تساقط على وجهي، فمرَّ بي النبيُّ9  فقال: أتؤذيك هوام رأسك؟ قلتُ: نعم. فأمر أن يحلق. ونزلت فيَّ آية الفدية: (فَمَن كَانَ مِنكُم...). وعنه: وَقَعَ الْقَمْلُ فِي رَأْسِي، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ9 ، فقال: «احْلِقْ وَافْدِهِ صِيَامَ ثَلَاثَةِ أيَّامٍ، أوِالنُّسُكَ، أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ صَاعٌ». وعنه: فيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (...). أتَيْتُ رَسُولَ اللهِ9، فَقَالَ: «ادْنُه» فَدَنَوْتُ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلَاثًا،

 فَقَالَ: أيُؤْذِيكَ هَوامُّكَ؟ قَالَ ابْنُ عَوْنٍ وهو أحد رواة هذا الخبر: وَأحْسَبُهُ قَالَ: نَعَمْ؛ فَأمَرَنِي بِصِيَامٍ، أوْ صَدَقَةٍ، أوْ نُسُكِ مَا تَيَـسرَ... عن عَبْد اللهِ بْن مَعْقِلٍ قَالَ: قَعَدْتُ إِلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِي هَذَا الْمـَسْجِدِ، مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ). قَالَ: حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ9، وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أرَى أَنَّ الْجَهْدَ بَلَغَ مِنْكَ هَذَا، مَا تَجِدُ شَاةً؟ قُلْتُ: لَا.. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (...). صُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ. فَنَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً، وَلَكُمْ عَامَّةً. وعنه أيضاً: كُنَّا جُلُوسًا فِي الْمـَسْجِدِ، فَجَلَسَ إِلَيْنَا كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، فَقَالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة. قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ شَأْنُكَ؟ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ9 مُحْرِمِينَ، فَوَقَعَ الْقَمْلُ فِي رَأْسِي وَلِحْيَتِي وَشَارِبِي حَتَّى وَقَعَ في حاجبي. فذكرت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ9، فَقَالَ: «مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ الْجَهْدَ بَلَغَ مِنْكَ هَذَا، ادْعُوا الْـحَالِقَ». فَجَاءَ الْـحَالِقُ فَحَلَقَ رَأْسِي. فَقَالَ: «هَلْ تَجِدُ نَسِيكَةً»؟ قُلْتُ: لَا، وَهِيَ شَاةٌ. قَالَ: فَصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ أوْ أطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ. قَالَ: فَأُنْزِلَتْ فِيَّ خَاصَّةً وَهِيَ للنَّاسِ عَامَّةً.. أتى علىَّ رسول الله9، وأنا أوقد تحت قدر لي، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: أيؤذيك هوامّ رأسك؟ قال: قلت: نعم. قال: فاحلق وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة، لا أدري بأي ذلك بدأ .. عن كعب بن عجرة قال: فيّ أنزلت هذه الآية، قال أتيته9، فقال: أدنه، فدنوت مرّتين أو ثلاثاً. فقال9: «أيؤذيك هوامك»؟ قال ابن عون وأظنَّه قال: نعم، فأمرني بفدية من صيام أو صدقة أو نسك ما تيسّر... عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة: أنَّ رسول الله9 رآه وقمله يسقط علـى وجهه، فقال: «أيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ»؟ قال: نعم. فأمره أن يحلق، وهو بـالـحديبـية، لـم يتبـين لهم أنهم يحلون بها، وهم علـى طمع أن يدخـلوا مكة. فأنزل الله الفدية، فأمره رسول الله9 أن يطعم فرقاً بـين ستة مساكين، أو يهدي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام.

...وعنه، عن كعب بن عجرة، قال: كنا مع النبـيّ9 بـالـحديبـية، ونـحن مـحرمون، وقد حصرنا الـمشركون. قال: وكانت لـي وفرة، فجعلت الهوامّ تساقط علـى وجهي. فمرّ بـي النبـيّ9، فقال: «أيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رأسِكَ»؟ قال: قلت نعم. ونزلت هذه الآية: (...).

... وعنه، عن كعب بن عجرة: أنه كان مع رسول الله9، فآذاه القمل فـي رأسه، فأمره رسول الله9 أن يحلق رأسه. وقال: «صُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينُ مُدَّيْنِ مُدَّيْن لِكلِّ إنْسانٍ، أو أنْسُكْ بِشاةٍ، أيّ ذلك فعلت أجزأك».

... وعنه، عن كعب بن عجرة أنَّ رسول الله9 قال له: «لَعَلَّهُ آذَاكَ هَوَامُّكَ». يعنـي القمل، قال: فقلت: نعم يا رسول الله. فقال رسول الله: «احْلِقْ رأسَكَ، وَصُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ، أوِ أنْسُكْ بِشاة».

 ... عن مـجاهد، عن كعب بن عجرة، قال: لفـيّ نزلت وإياي عنى بها (فَمَنْ كانَ منكُمْ مَريضاً أوْ بِهِ أذًى مِنْ رأسِه). قال: قال النبـيّ9 وهو بـالـحديبـية، وهو عند الشجرة، وأنا مُـحرم: «أيُؤْذِيكَ هَوَامَّهُ»؟. قلت: نعم، أو كلـمة لا أحفظها عنى بها ذاك. فأنزل الله جلَّ وعزَّ:  (فَمَنْ كانَ منكُمْ مَريضاً...). والنسك، شاة.

... عن مـجاهد، قال: قال كعب بن عجرة: والذي نفسي بـيده، لفيّ نزلت هذه الآية، وإياي عنى بها، ثم ذكر نـحوه، قال: وأمره أن يحلق رأسه.

... عن عطاء بن عبد الله الـخراسانـي أنه قال: أخبرنـي شيخ بسوق البرم بـالكوفة، عن كعب بن عجرة أنه قال: جاءنـي رسول الله9 وأنا أنفخ تـحت قدر لأصحابـي، قد امتلأ رأسي ولـحيتـي قملاً، فأخذ بجبهتـي، ثم قال: «احْلِقْ هَذَا، وَصُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكيِن».  وقد كان رسول الله9 علـم أنه لـيس عندي ما أنسك به.

...عن مـحمد بن كعب القرظي، عن كعب بن عجرة، قال كعب: أمرنـي رسول  الله9 حين آذانـي القمل أن أحلق رأسي، ثم أصوم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين، وقد علـم أنه لـيس عندي ما أنسك به.

مـحمد بن كعب، قال: سمعت كعب بن عجرة يقول: أمرنـي، يعنـي رسول  الله9، أن أحلق وأفتدي بشاة.

 ... عن أبـي وائل.. قال: لقـيت كعب بن عجرة فـي هذه السوق، فسألته عن حلق رأسه؟ فقال: أحرمتُ فآذانـي القمل. فبلغ ذلك النبـيَّ9، فأتانـي وأنا أطبخ قدراً لأصحابـي، فحك بأصبعه رأسي، فـانتثر منه القمل، فقال النبـيُّ9: «احْلِقْهُ وأطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِين».

الطائفة الثانية : 

رواها غيره في هذا الشأن، وعمّا شاهدوه بأنفسهم عن الذي وقع، وعن موقف رسول الله9 وما قاله لكعب.. ونبدأ بما جاء عن أئمّة أهل البيت:: روى أصحابنا، والكلام للشيخ الطبرسي، أنَّ هذه نزلت في إنسان يعرف بكعب بن عُجْرة، وأنه كان قد قمل رأسه...

فقد روى... عن حريز عن أبي عبد الله7 قال: مرَّ رسول الله9 على كعب بن عجرة الأنصاري، والقمل يتناثر من رأسه (وفي الكافي، وتفسير العياشي: وهو محرم).

فقال: أتؤذيك هوامك؟ قال: نعم. قال: فأنزلت هذه الآية: (فَمَن كَانَ مِنكُم...). فأمره رسول الله9، فحلق رأسه، وجعل عليه الصيام ثلاثة أيام، والصدقة على ستة مساكين لكلّ مسكين مدان، والنسك شاة.

وقال أبو عبد الله7: وكلّ شيء في القرآن (أو) فصاحبه بالخيار يختار ما شاء، وكلّ شيءٍ في القرآن  (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ). فعليه كذا، فالأول بالخيار.

ومثلها عن العياشي: عن حريز عمّن رواه عن أبي عبد الله7... وروي عن ابن عباس أنَّه قال: كلّ شيء في القرآن (أو أو) فصاحبه مخير، فإذا كان (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ). فهو الأوّل فالأوّل.

عن ابن جريج قال: كلّ شيء في القرآن (أو أو) فهو خيار. ومثله عن عطاء ومجاهد والضحاك وغيرهم، وقد أخرج الشافعي في الأمّ عن ابن جريج عن عمرو بن دينار قال: كلّ شيء في القرآن (أو أو) له أيه شاء. قال ابن جريج: إلّا في قوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَآءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَهَ وَرَسُولَهُ).[18] فليس بمخيَّر فيها. والآية هي: ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أن يُقَتَّلُوۤاْ أوْ يُصَلَّبُوۤاْ أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وَأرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرْضِ ذلِكَ لَـهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَـهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

الشيخ الطبرسي: قال أبو جعفر وأبو عبد الله8: إنما جزاء المحارب على قدر استحقاقه، فإن قتل فجزاؤه أن يقتل، وإن قتل وأخذ المال فجزاؤه أن يقتل ويصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل فجزاؤه أن تقطع يده ورجله من خلاف، وإن أخاف السبيل فقط فإنما عليه النفي لا غير. وبه قال ابن عباس وسعيد ابن جبير وقتادة والسدي والربيع، وعلى هذا؛ فإنَّ أو ليست للإباحة هنا، وإنما هي مرتبة الحكم باختلاف الجناية.

 وفي الوسائل: محمد بن علي بن الحسين قال: مرَّ النبيُّ9 على كعب بن عجرة الانصاري وهو محرم، وقد أكل القمل رأسه وحاجبيه وعينيه.

فقال رسول الله9: ما كنتُ أرى أنَّ الأمر يبلغ ما أرى، فأمره فنسك نسكاً لحلق رأسه لقول الله عزّوجلّ: (فَمَن كَانَ مِنكُم...).

فالصيام ثلاثة أيام، والصدقة على ستة مساكين لكلّ مسكين صاع من تمر.

قال: وروي: مدّ من تمر، والنسك: شاة لا يطعم منها أحداً إلّا المساكين.

أقول: الصاع محمول على الاستحباب.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بخصوص كعب، قَالَ: «لَـمَّا نَزَلْنَا الْـحُدَيْبِيَةَ، جَاءَ كَعْبُ بن عجرة تنتثر هَوَامُّ رَأْسِهِ عَلَى جَبْهَتِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا الْقَمْلُ قَدْ أَكَلَنِي. قَالَ: «احْلِقْ وَافْدِهِ». قَالَ: فَحَلَقَ كَعْبٌ فَنَحَرَ بَقَرَةً، فَأنْزَلَ اللهُ عَزَّوَجَلَّ فِي ذَلِكَ الْـمـَوْقِفِ الآية: (فَمَنْ كانَ منكُمْ مَريضاً...). فمن كان به مرض يحوجه إلى الحلق «أوْ بِهِ أذًى مّن رَّأْسِهِ». وهو القمل أو الجراحة، فعليه إذا احتلق فدية مّن صِيَامٍ  ثلاثة أيام (أَوْ صَدَقَةٍ). على ستة مساكين، لكلّ مسكين نصف صاع من برّ أوْ نُسُكٍ». وهو شاة.

وفي أخرى أنَّ النبيَّ9 قال له: «ما كنت أرى أنَّ الوجع بلغ منك ما أرى، أو ما كنت أرى أنَّ الجهد بلغ بك ما أرى، أتجد شاة؟ قلت: لا. قال: فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين لكلّ مسكين نصف صاع».

وفي قول: مَرَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ9، وَهُوَ يُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ لَهُ بِالْـحُدَيْبِيَةِ، فَقَالَ:  «أيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ»؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: احْلِقْ. فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ :﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ...﴾.  قَالَ: فَالصِّيَامُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَالصَّدَقَةُ فَرَقٌ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، وَالنُّسُكُ شَاةٌ.

وروي أنَّه مرَّ به النبيُّ9، وقد قرح رأسه، فقال9: كفى بهذا أذًى!...

عن يعقوب، قال: سألت عطاء، عن قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ...﴾. فقال: إنَّ كعب بن عجرة مرّ بـالنبـيّ9 وبرأسه من الصئبـان والقمل كثـير، فقال له النبـيّ9: «هَلْ عِنْدَكَ شاةٌ»؟ فقال كعب: ما أجدها. فقال له النبـيّ9: «إنْ شِئْتَ فأطْعِمْ سِتّةَ مَساكِين، وإنْ شِئْتَ فَصُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ، ثُم احْلِقْ رأسَكَ».

... عن عبد الرحمن بن أبـي لـيـلـى، قال: ذكر لنا أنَّ النبـيّ9 أتـى علـى كعب بن عجرة زمن الـحديبـية، ثم ذكر نـحوه.

... أخبرنا ابن جريح، قال: أخبرنـي عطاء أنَّ النبـيَّ9 كان بـالـحديبـية عام حبسوا بها، وقمل رأس رجل من أصحابه، يقال له: كعب بن عجرة .فقال له النبـيُّ9  «أتُؤْذِيكَ هَذِهِ الهَوَامُّ»؟ قال: نعم. «فـاحْلِقْ وَاجْزُزْ ثُمَّ صُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ مُدَّيْنِ مُدّيْنِ» قال: قال: قلت أسمّى النبـيُّ9 مدّين مدّين؟ قال: نعم. كذلك بلغنا أنَّ النبـيَّ9 سمّى ذلك لكعب، ولـم يسمّ النسك. قال: وأخبرنـي أنَّ النبـيّ9 أخبر كعبـاً بذلك بـالـحديبـية قبل أن يؤذن للنبـيّ9 وأصحابه بـالـحلق والنـحر، لا يدري عطاء كم بـين الـحلق والنـحر.

... عن فضالة بن مـحمد الأنصاري، أنَّه أخبره عمّن لا يتهم من قومه: أنَّ كعب بن عجرة أصابه أذًى فـي رأسه، فحلق قبل أن يبلغ الهدي مـحله، فأمره النبـيّ9 بصيام ثلاثة أيام.

... عن مخرمة، عن أبـيه، قال: سمعت عمرو بن شعيب يقول: سمعت شعيبـاً يحدّث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، يقول: قال رسول الله9 لكعب بن عجرة: «أيُؤْذِيَكَ دَوَابُّ رأسِكَ»؟ قال: نعم... ففعل. قال:  «فـاحْلِقْهُ وَافْتَدِ إمَّا بِصَوْم ثَلاثَةِ أيَّامٍ، وإمَّا أنْ تُطْعِمَ سِتَّةَ مَساكِين، أوْ نُسُكِ شاةٍ».

فكلتا الطائفتين من الروايات وهي كثيرة؛ تحكيان ما عُدَّ سبباً لنزول الآية المذكورة، فهي نزلت في كعب خاصة، وللمسلمين المحرمين عامة. والتي تتحدث عن (فَمَنْ كانَ منكُمْ مَريضاً أوْ بِهِ أذًى مِنْ رأسِه). وشرعت حكماً فديةً أي جزاءً وبدلاً؛ جعلت كعباً وكذا المريض مخيّراً بين: ( صِيَامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ).

الشيخ الطبرسي: (فَمَنْ كانَ منكُمْ مَريضاً أوْ بِهِ أذًى مِنْ رأسِه). أي من مرض منكم مرضاً يحتاج فيه إلى الحلق للمداواة، أو تأذى بهوام رأسه، أُبيح لـه الحلق بشرط الفدية.

وقولـه:  (فَفِدْيَةٌ). أي فحلق لذلك العذر، فعليه فدية أي بدل وجزاء يقوم مقام ذلك :( صِيَامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ). ثمَّ يقول الشيخ الطبرسي: المروي عن أئمتنا أنَّ الصيام ثلاثة أيام، والصدقة على ستة مساكين، وروي على عشرة مساكين، والنسك شاة وهو مخيّر فيها

هذا إضافةً إلى روايات لم تذكر كعباً، منها: قال عليٌّ7  فيمن يصيبه أذًى من رأسه فحلق: «يصوم ثلاثة أيام، وإن شاء أطعم ستّة مساكين لكلّ مسكين نصف صاع، وإن شاء نسك ذبح شاة». ويفعل ذلك أين شاء، وفي الحرم أو في غيره.

... عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله7، قال: قال الله تعالى في كتابه: (فَمَنْ كانَ منكُمْ مَريضاً أوْ بِهِ أذًى مِنْ رأسِه). فمن عرض له أذًى أو وجع، فتعاطى ما لا ينبغي للمحرم إذا كان صحيحاً، فالصيام: ثلاثة أيام، والصدقة على عشرة مساكين، يُشبعهم من الطعام، والنسك: شاة يذبحها فيأكل ويُطعم، وإنما عليه واحد من ذلك.[19]

إذن فهما علّتان للفدية :المرض .أذى بالرأس.

فإنَّ ... بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ يُعدُّ واحداً من عنوانين أو علّتين توجبان الفدية المخيّرة بين ثلاثة أمور:( صِيَامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ).

في الروايات : 

ففي الكافي عن الباقر7: ... ( وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ). لا تحلّوا( حَتّى يَبْلُغَ الْـهَدْيُ مَحِلّهُ). مكانه الذي يجب أن ينحر فيه،( فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً). مرضاً يحوجه إلى الحلق ( أوْ بِهِ أذَىً مِنْ رَأْسِهِ). كجراحة أو قمل،( فَفِدْيَةٌ). فعليه فدية إن حَلق (مِنْ صِيَامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ). وهناك روايات أُخر، كان للطبري النصيب الأوفر في ذكرها، وهذه خلاصتها: ابن جريج، قال: قلت لعطاء: ما أذًى من رأسه؟  قال: القمل وغيره، والصداع، وما كان فـي رأسه. مـجاهد: (فإنْ أُحْصِرْتُـمْ  ...). قال: من أحصر بـمرض أو كسر، فلـيرسل بـما استـيسر من الهدي، ولا يحلق رأسه، ولايحلّ حتـى يوم النـحر. فمن كان مريضاً، أو اكتـحل، أو ادّهن، أو تداوى، أو كان به أذى من رأسه، فحلق، ففدية من صيام، أو صدقة، أو نسك.  قتادة قوله: ( وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ...).  هذا إذا كان قد بعث بهديه، ثم احتاج إلـى حلق رأسه من مرض، وإلـى طيب، وإلـى ثوب يـلبسه، قميص أو غير ذلك، فعلـيه الفدية. ابن شهاب، قال: عبد الله بن عمر قال: من أحصر بعد أن يهلّ بحجّ، فحبسه مرض أو خوف، فإنه يتعالـج فـي حبسه ذلك بكلّ شيء لا بدَّ له منه، غير أنه لا يحلّ له النساء والطيب، ويفتدي بـالفدية ، التـي أمر الله بها: صيامٍ، أو صدقة، أو نسك .وما ذكره بعض الأعلام في فقه القرآن الكريم، لا يختلف عما ذكره المفسرون. ولكن هل الموضوع خاص بالمرض وأذى الرأس فقط، أم يتعدّاه إلى غيرهما؟

وقد استفدتُ من بعضٍ ما خلاصته: أنَّ لفظ ( أذَىً)، جاءت مع الرأس دون المعطوف عليه ،( مَرِيضاً). وكلاهما نكرتان، والكلمة النكرة على حسب السياق، تفيد العموم والشمول. أو تفيد التعظيم أو التحقير. ولهذا ذُكر أنَّ النكرة في مثل هذا السياق: تفيد العموم، وتفيد التعظيم، أي تُفيد المرض، الذي لا يُتحمل. وتُفيد الأذى الشديد، الذي لا يُطاق. ولا تُفيد التحقير أي لا تُفيد المرض اليسير، ولا تُفيد الأذى القليل. فإن صحَّ هذا ـ والله أعلم ـ فلعلَّ الذي يُفهم من السياق أنَّ المرض غير اليسير هو المراد، وكذا الأذى الكثير الشديد هو المراد؛ لأنَّ الباء في قوله: ( بِهِ أذَىً)، للإلصاق؛ حيث دلّت أنَّ الأذى مصاحب غير مفارق، فربما هذا الأذى يُقعد الحاجَّ أو المعتمر عن إتمام النسك على أكمل وجه؛ ولأنَّ الأذى الوارد في متن أخبار كعب بن عجرة، والذي أصاب رأسه، كان أذًى كثيراً؛ إذ شكا كثرة أذًى برأسه من صئبانه، وكان مصاحباً له غير متوقف عنه، كما تظاهرت به الأخبار. ولم يكن قليلاً، ولا موقتاً، وهو القائل: هَذَا الْقَمْلُ قَدْ أَكَلَنِي! ،  يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا الْقَمْلُ قَدْ أَكَلَنِي!! حملتُ إلى النبيّ9 والقمل يتناثر على وجهي.!! وقوله9 : ما كنتُ أرى أنَّ الجهد بلغ بك هذا ما كنتُ أرى الوجع بلغ بك. ولهذا صحَّ أن توصف حالته بالمصدر أذًى . وشرع الله تعالى له أن يسارع إلى إماطته ودفع الفدية. وأبلغه رسول الله9 بأن يحلق شعره؛ لإنهاء هذا الأذى؛ وأن يقدم( فِدْيَةً مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ). ولعلَّ بسبب ذاك العموم ـ والله أعلم ـ  ذهب بعض إلى التوسعة :

 الطبري: فأما المرض الذي أبـيح معه العلاج بـالطيب وحلق الرأس، فكلّ مرض كان صلاحه بحلقه كالبرسام، الذي يكون من صلاح صاحبه حلق رأسه، وما أشبه ذلك، والـجراحات التـي تكون بجسد الإنسان التـي يحتاج معها إلـى العلاج بـالدواء الذي فـيه الطيب، ونـحو ذلك من القروح والعلل العارضة للأبدان. وأما الأذى الذي يكون إذا كان برأس الإنسان خاصة له حلقه، فنـحو الصداع والشقـيقة، وما أشبه ذلك، وأن يكثر صئبـان الرأس، وكلّ ما كان للرأس مؤذياً مـما فـي حلقه صلاحه ودفع الـمضرّة الـحالّة به، فـيكون ذلك له بعموم قول الله جل وعزّ (أوْ بِهِ أذًى مِنْ رأسِهِ).

وهذا الشيخ الطوسي: فالأذى كلما تأذيت به. ورجل آذٍ إذا كان شديد التأذي تقول: آذى يآذى أذى. وأصله الضرر بالشىء... لكنها محمولة على جميع الأذى.

وكذا قال الراوندي: فالأذى المذكور في الآية كلما تأذيت به ... وهي محمولة على جميع الأذى.

الجصاص، وبعد أن ينقل خبر كعب بن عجرة، يقول:  فكان كثرة القمل من الأذى المراد بالآية، ولو كان به قروح في رأسه أو خراج، فاحتاج إلى شدّه أو تغطيته، كان ذلك حكمه في جواز الفدية، وكذلك سائر الأمراض التي تصيبه ويحتاج إلى لبس الثياب، جاز له أن يستبيح ذلك ويفتدي؛ لأنَّ الله لم يخصص شيئاً من ذلك، فهو عام في الكلّ.

فإن قيل: قوله: ( فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِنْ رَأْسِهِ). معناه: فحلق ففدية من صيام.

قيل له: الحلق غير مذكور، وإن كان مراداً، وكذلك اللبس وتغطية الرأس، كلّ ذلك غير مذكور وهو مراد؛ لأنَّ المعنى فيه استباحة ما يحظره الإحرام للعذر. وكذلك لو لم يكن مريضاً، وكان به أذًى في بدنه، يحتاج فيه إلى حلق الشعر، كان في حكم الرأس في باب الفدية؛ إذ كان المعنى معقولاً في الجميع، وهو استباحة ما يحظره الإحرام في حال العذر...

والرازي :.... وقال آخرون: بل الكلام مستأنف لكلّ محرم لحقه المرض في بدنه، فاحتاج إلى علاج، أو لحقه أذى في رأسه فاحتاج إلى الحلق، فبين الله تعالى أنَّ له ذلك، وبين ما يجب عليه من الفدية. إذا عرفت هذا فنقول، والكلام للرازي وهو يوسّع المراد، فيقول:  المرض قد يحوج إلى اللباس، فتكون الرخصة في اللباس كالرخصة في الحلق، وقد يكون ذلك بغير المرض من شدة البرد وما شاكله، فأبيح له بشرط الفدية، وقد يحتاج أيضاً إلى استعمال الطيب في كثير من الأمراض فيكون الحكم فيه ذاك.

 وكذا في المراد من الأذى، فيقول: وأما من يكون به أذًى من رأسه، فقد يكون ذلك بسبب القمل والصئبان، وقد يكون بسبب الصداع، وقد يكون عند الخوف من حدوث مرض أو ألم، وبالجملة فهذا الحكم عام في جميع محظورات الحجّ.

وانطلاقاً من أنَّ الشريعة جاءت وهي تحمل اليسر ومنع العسر والآصار، فكانت هذه الآية بما تحمله من حكم من مصاديق ذلك التيسير. يقول البقاعي: ولما كان الإنسان محلاً لعوارض المشقة، وكان الله سبحانه وتعالى قد وضع عنا الآصار ببركة النبي المختار9، فجعل دينه يسراً قال: (فَمَنْ كانَ)، وقيده بقوله: (منكُمْ)، أيها المحرمون، (مَريضاً)، يرجى له بالحلق خير، (أوْ بِهِ أذًى)، ولو قلَّ، والأذى ما تعلق النفس أثره، (مِنْ رأسِه)، بقمل أو غيره (ففدية)، أي فعلية بحلق رأسه أو المداواة بما نهى المحرم عنه (من صيام)، لثلاثة أيام (أو صدقة)، لثلاثة آصع من طعام على ستة مساكين، لأنَّ الصدقة كما قال الحراليُّ: عدل الصيام عند فقده .. ولليوم وجبتا فطر وسحور، لكل وجبة مُدَّان فلكل يوم صاع (أو نُسُك)، أي تقرب بذبح شيء من الأنعام وهذه فدية مخيرة.

الراوندي: ( فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً)، أي من مرض منكم مرضاً يحتاج فيه إلى الحلق للمداواة. (أوْ بِهِ أذًى مِّن رَّأْسِهِ)، أي تأذى بهوام رأسه، أبيح له الحلق بشرط الفدية قبل يوم النحر في ذي القعدة أو في تسع ذي الحجة، فالأذى المذكور في الآية كلما تأذيت به. ثمَّ قال: نزلت هذه الآية في كعب بن عجرة، فإنه كان قد قمل رأسه، فأنزل الله فيه ذلك: قوله تعالى:( فَفِدْيَةً  مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ)، وهي محمولة على جميع الأذى.

فالذي رواه أصحابنا أنَّ من حلق لعذر، فالصيام عليه ثلاثة أيام أو الصدقة ستة مساكين، وروي عشـرة مساكين. والنسك شاة، وفيه خلاف بين المفسرين. والمعنى إن تأذى بشيء فحلق لذلك العذر فعليه فدية، أي بدل وجزاء يقوم مقام ذلك من صيام أو صدقة أو نسك مخير فيها. وكذا الشيخ السيوري، وقد أدرجها في أفعال الحجّ وأنواعه وشيء من أحكامه، وبعد أن ذكر الآية، ذكر روايتين تحكيان حال كعب، وما قاله رسول الله9 له؛ في الأولى: وقد كان قمل رأسه...، فيما الثانية: وقد قرح رأسه.

أما الجصاص، فقد ذكرها في أحكام القرآن في باب المحرم يصيبه أذًى من رأسه أو مرض. فذكر الآية، وقال: يعني والله أعلم: فمَن كان منكم مريضاً من المحرمين محصرين أو غير محصرين، فأصابه مرض أو أذًى في رأسه، ففدية من صيام؛ فدلَّ ذلك على أنَّ المحصر لا يجوز له الحلق قبل بلوغ الهدي محله، وأنه إذا كان مريضاً أو به أذًى من رأسه فحلق، فعليه الفدية، وإن كان غير محصر فهو في حكم المحصر، الذي لم يبلغ هديه محله، فدلَّ ذلك على التسوية بين المحصرين وغير المحصرين في أنَّ كلّ واحد منهم لا يجوز له الحلق في الإحرام على الشرط المذكور.

وقوله تعالى: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً)، عنى المرض الذي يحتاج فيه إلى لبس أو شيء يحظره الإحرام ، فيفعل ذلك لدفع الأذى ويفتدي. وكذلك قوله: (أوْ بِهِ أذًى مِّن رَّأْسِهِ)، إنما هو على أذى يحتاج فيه إلى استعمال بعض ما يحظره الإحرام من حلق أو تغطية.  فأما إن كان مريضاً، أو به أذًى في رأسه، لا يحتاج فيه إلى حلق، ولا إلى استعمال بعض ما يحظره الإحرام، فهو في هذه الحال بمنزلة الصحيح في حظر ما يحظره الإحرام. ثمَّ راح يذكر بعض ما  روي في أخبار متظاهرة ـ كما يصفها ـ عن كعب بن عجرة. منها:  أنَّ النبيَّ9 مرَّ به في عام الحديبية، والقمل تتناثر على وجهه، فقال: أتؤذيك هوام رأسك؟ فقلت: نعم، فأمره بالفدية. وواصل الجصاص كلامه المفصّل انطلاقاً مما ورد عن كعب، نكتفي منه بما يخصّ النسك.

... وأما النسك فإنَّ في أخبار كعب بن عجرة أنَّ النبيَّ9 أمره أن ينسك نسيكة، وفي بعضها شاة، ولا خلاف بين الفقهاء أنَّ أدناه شاة، وإن شاء جعله بعيراً أو بقرةً، ولا خلاف أنه مخيّر بين هذه الأشياء الثلاثة يبتدئ بأيها شاء، وذلك مقتضى الآية وهو قوله تعالى: (...). و «أو للتخيير» هذا حقيقتها وبابها، إلّا أن تقوم الدلالة على غير هذا في الإثبات،... ذاكراً قوله9 لكعب: هل تجد نسكاً؟ قال: ما أقدر عليه، فأمره أن يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين لكلّ مسكين صاعاً، وأنزل الله: ( فَفِدْيَةً  مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ)، للمسلمين عامة.[20]

موضع النسك ووقته:

والنسك في آية الفدية يقع في أي مكان أو محل؛ بمعنى لم يُقيّد كما قيّد الهدي الذي إِن كان الإِحرام بالحجّ، فمحل ذبح الهدي منى يوم النحر، وإِن كان الإِحرام بالعمرة، فمحلـه مكة. وهناك من يقول: ومحل ذبح هدي المحصر حيث أحصر...  وفي هذا كلّه تفصيل، نجده في أقوال أهل التفسير وأهل الفقه، نختار بعضاً منهم، ولكن بعد أن نذكر رأي الشنقيطي في أنَّ هذه الآية هي موضع من موضعين دلّا على أنَّ الهدي قبل الحلق، وهذا قوله: ودلَّ القرآن على أنَّ النحر قبل الحلق في موضعين: أحدهما قوله تعالى: (وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْـهَدْيُ مَحِلَّهُ). والثاني قوله تعالى في سورة الحجّ: 28(لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَـهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسْمَ الله فِي أيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ). فالمراد بقوله:.. (وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللهِ  فِي أيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ). ذكر اسمه تعالى عند نحر البدن إجماعاً. وقد قال تعالى بعده عاطفاً بـثُمَّ التي هي للترتيب: (ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ). وقضاء التفث يدخل فيه بلا نزاع إزالة الشعر بالحلق. فهو نصٌّ صريح في الأمر بتقديم النحر على الحلق. ومن إطلاق التفث على الشعر ونحوه، قول أمية بن أبي الصلت:

حقوا رؤوسهم لم يحلقوا تفثاً 

ولم يسلوا لهم قملاً وصئبانا.

روى بعضهم بيت أمية المذكور هكذا:

ساخين آباطهم لم يقذفوا تفثاً

وينزعوا عنهم قملاً وصئبانا.

ومنه قول الآخر:

قضوا تفثاً ونحباً ثم ساروا

إلى نجدٍ وما انتظروا عليا.

فهذه النصوص تدلّ دلالة لا لبس فيها، على أنَّ الحلق بعد النحر.[21]

الشيخ الطبرسي : بعد أن يذكر: والحلق حلق الرأس، يقال حَلَقَ وحَلَّقَ والمحلق موضع الحلق بمنى والمحلّقِ الحَلاَّق..، يقول عن الآية المذكورة: (وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْـهَدْيُ مَحِلَّهُ). أي لا تتحللوا من إحرامكم حتى يبلغ الـهدي محلـه وينحر أو يذبح، واختلف في محل الـهدي على قولين: الأول: أنه الحرم، فإذا ذبح به في يوم النحر أحلّ عن ابن عباس وابن مسعود والحسن وعطاء.  والثاني: أنه الموضع الذي يصدّ فيه؛ لأنَّ النبيَّ9 نحر هديه بالحديبية، وأمر أصحابه ففعلوا مثل ذلك. وليست الحديبية من الحرم عن مالك.  وأما على مذهبنا، فالأول: حكم المحصور بالمرض، والثاني: حكم المحصور بالعدوّ. وإِن كان الإحرام بالحجّ، فمحلـه منى يوم النحر، و إن كان الإحرام بالعمرة، فمحلـه مكة...

فيما الراوندي وكما جاء أعلاه، يقول:... أي تأذى بهوام رأسه، أبيح له الحلق بشرط الفدية قبل يوم النحر في ذي القعدة أو في تسع ذي الحجة.

ومِن قبلهم قال الطبري: (وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْـهَدْيُ مَحِلَّهُ).... وذلك أنَّ حلق الرأس إحلال من الإحرام، الذي كان الـمُـحرم قد أوجبه علـى نفسه، فنهاه الله عن الإحلال من إحرامه بحلاقه، حتـى يبلغ الهدي الذي أبـاح الله له الإحلال جلَّ ثناؤه بإهدائه مـحلّه. ثم اختلف أهل العلـم فـي مـحلّ الهدي الذي عناه الله جلّ اسمه... فذكر الأخبار والأقوال.[22]

 

[1]. سورة البقرة: 196.

 

[2] .  سورة القمر: 20.

 

[3] . سورة الحاقة: .

 

[4]. سورة  الأحزاب : 48 . 

 

[5] . سورة البقرة : 184.

 

[6] . سورة البقرة : 196. 

 

[7] . سورة  الحدید: 15.

 

[8] . سورة الصافات : 107 . 

 

[9] . سورة البقرة : 184.

 

[10] . إعراب القرآن وبيانه، محيي الدين آلدرويش؛ معجم لغة الفقهاء: النسك، ومعاجم اللغة ، ومنها لسان العرب لابن منظور: فدًى. النسك .التحرير والتنوير لابن عاشور؛ صفوة التفاسير لمحمد علي الصابوني، تفسير غرائب القرآن و رغائب الفرقان، القمي؛  النيسابوري (ت 728 هـ)؛ مجمع البيان للطبرسي؛  أحكام القرآن للجصاص : الآية؛ وفي كتاب المصطلحات ـ  إعداد مركز المعجم الفقهي: 1937؛  عن معجم لغة الفقهاء؛ زاد المسير في علم التفسير، ابن الجوزي (ت 597 هـ) وانظر مفاتيح الغيب، التفسيرالكبير، الرازي (ت 606 هـ).

[11]. سورة المائدة : 95 .

[12] . انظر التفاسير ، منها: تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ابن عطية (ت 546 هـ)؛ مجمع البيان في تفسير القرآن، الطبرسي (ت 548 هـ)؛ مهذب الأحكام للسيد السبزواري 13  : 352؛ تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن، الطوسي (ت 460 هـ)؛ جامع البيان في تفسير القرآن، الطبري (ت 310 هـ)؛ زاد المسير في علم التفسير، ابن الجوزي (ت 597 هـ)؛ تفسير الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (ت 671 هـ) الآية؛ وانظر شرح فروع الكافي للشيخ الكليني، محمد هادی بن محمد مازندرانی؛ تحقيق: المحمودی، محمد جواد الدرایتی 5 : 62؛ باب العلاج للمحرم إذا أصابه جرح أو خراج أو علّة؛ كتاب دروس الشيخ أسامة سليمان30 : 15.

[13]. تفسير الأمثل للشيخ مكارم الشيرازي: الآية بتصرف؛ تفسير جامع البيان في تفسير القرآن، الطبري (ت 310 هـ)؛  تفسير مفاتيح الغيب، التفسير الكبير، الرازي (ت 606 هـ)؛ تفسير الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (ت 671 هـ)؛ تفسير فتح القدير، الشوكاني (ت 1250 هـ).

[14]. سورة الحجّ : 33 .

[15] . انظر مجمع البيان في تفسير القرآن ، الطبرسي (ت 548 هـ) ؛ تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن، الطوسي (ت 460 هـ) ؛ تفسير مفاتيح الغيب، التفسير الكبير، الرازي (ت 606 هـ) ؛ تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان، القمي النيسابوري (ت 728 هـ) ؛ تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل ، الخازن (ت 725 هـ) بإيجاز وتصرف ؛ ومن قبله تفسير الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (ت 671 هـ) ؛ ومثله تفسير فتح القدير ، الشوكاني (ت 1250 هـ) ؛ وعنهم كتاب نيل المرام من تفسير آيات الأحكام، وفتح البيان في مقاصد القرآن كلاهما لمحمد صديق حسن خان القنوجي البخاري (ت  1307هـ) ؛ تفسير الأمثل للشيخ مكارم الشيرازي: الآية ؛ وانظر: مجلة ميقات الحج: الأعداد 34، 35، 36 : الإحصار في الحجّ والعمرة ، وكذا العدد : 39 الصدّ والإخراج، والعدد: 45 ، وهم يصدون عن المسجد الحرام.

[16]. انظر تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن، الطوسي (ت 460 هـ) ؛ تفسير مجمع البيان في تفسير القرآن، الطبرسي (ت 548 هـ)، تفسير الدر المنثور في التفسير بالمأثور، السيوطي (ت 911 هـ) ؛ تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل، الخازن (ت 725 هـ) ؛ في ظلال القرآن لسيد قطب ، تفسير روح المعاني،  الآلوسي (ت 1270 هـ) ؛  الآية ؛ تفسير جامع البيان في تفسير القرآن، الطبري (ت 310 هـ).

 

[17]. صحيح مسلم1: 305، رقم 7931 ، وفي اللباب.. قال: أبو عيسى حديث كعب بن عجرة حديث حسن صحيح؛ الإمام أحمد في مسنده، 4: 243، رقم: 57569 ؛ غزوة تبوك في مصادرها ؛ السيرة النبوية لابن هشام وتاريخ الطبري وغيرهما ؛ تهذيب الكمال في أسماء الرجال، جمال الدين أبو الحجاج المزي 24 : 180 رقم : 4975 ؛ سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي 3 : 53 ، كعب بن عجرة ؛ تاريخ دمشق لابن عساكر 50 : 139 ، وفي الهامش ذكرت مصادر ترجمته ؛ الأعلام للزركلي: كعب بن عجرة ؛ أهل البيت عليهم السلام سماتهم وحقوقهم في القرآن الكريم للشيخ جعفر سبحاني 1 : 155.

[18]. سورة المائدة : 33 .

[19]. انظر تفسير البرهان للبحراني ؛ مجمع البيان في تفسير القرآن، الطبرسي (ت 548 هـ) ؛ مواهب الرحمن في تفسير القرآن للسيد عبد الأعلى الموسوي السبزواري 3 : 172-173، الآية ؛ وانظر تفســير نــور الثقــلين للشيخ الحويزي 1 :  187 عن الكافي للشيخ الكليني عن أبي عبد الله7 ؛ ومن لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق ؛ الدرُّ المنثور في التفسير بالمأثور، السيوطي (ت 911 هـ)؛ أسباب نزول القرآن، تأليف أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري ( ت 468 هجرية ) تحقيق ودراسة كمال بسيوني زغلول ؛ دار الكتب العلمية، بيروت  لبنان الآية: 196 البقرة ؛ جامع البيان في تفسير القرآن، الطبري (ت 310 هـ)؛ كنز العرفان للسيوري 1 : 289 ؛ وصحيح البخاري 1 : 310 ؛  الدر المنثور 1 : 213 ؛ تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل، الخازن (ت 725 هـ)؛ مسند أحمد، مسند الكوفيين حديث كعب بن عجرة ، رقم: 18128؛ صحيح البخاري: ١٨١٥ ؛  وصحيح مسلم : ١٢٠١ ؛ والنسائي في الكبرى: ٤١١٢ ؛ والطبراني في الكبير:  ١٩، (٢٣٩) و (٢٤٠) ؛ وانظر تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي ( ت 460 هجرية ) 5 : 333 رقم ( 1147 ) 60 ؛ تفسير العياشي، محمد بن مسعود العياشي (ت320 هـ )  1 : 90 . رقم 231 ؛ وكتاب وسائل الشيعة للشيخ الحر العاملي 13 : 167 رقم : ١٧٤٩٧ ،  ٤ . ١٧٤٩٨ ، ٥ . كتاب الحجّ ، الباب 14 من أبواب كفارات الإحرام ، الحديث 2 ؛ الروض النضير 3 : 248 ؛ كتاب الاستبصار للشيخ الطوسي ( ت 460 هجرية ) 2 : 195- 196.

 

[20]. فقه القرآن لقطب الدين الراوندي (ت573 : 1 (297 -298 . ، المحقق: السيد أحمد الحسيني ؛ كنز العرفان في فقه القرآن للسيوري ( ت 826 (؛ زبدة البيان في أحكام القرآن للسيد الأردبيلي ( ت 993 ) كتاب الحجّ : 253- 256؛ أحكام القرآن للإمام أبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص ( ت 370 هـ).

[21].  أضواء البيان في تفسير القرآن، الشنقيطي (ت 1393 هـ).

 

[22].  مجمع البيان في تفسير القرآن، الطبرسي (ت 548 هـ) ؛ تفسير جامع البيان في تفسير القرآن، الطبري (ت 310 هـ) ؛ تفسير مفاتيح الغيب، التفسير الكبير، الرازي (ت 606 هـ) ؛ تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن، الطوسي (ت 460 هـ ؛ فقه القرآن لقطب الدين الراوندي (ت 573  : 1 (297 -298 المحقق: السيد أحمد الحسيني ؛ أحكام القرآن للإمام أبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص ( ت 370 هـ) ؛ نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، البقاعي (ت 885 هـ( ؛ والحَرَالِّيُّ المذكور في هذا التفسير هو أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ بنِ حَسَنٍ التُّجِيْبِيُّ الأنْدَلُسِيُّ مفسر، من علماء المغرب ، توفي في 638 هجرية ؛ تفسير جامع البيان في تفسير القرآن، الطبري (ت 310 هـ) ؛ التحرير والتنوير لابن عاشور (ت 1393هـ ) ؛ الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور ، السيوطي (ت 911 هـ) ؛ تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل، الخازن (ت 725 هـ) ؛ تفسير روح المعاني، الآلوسي (ت 1270 هـ) ؛ في ظلال القرآن لسيد قطب ؛ تفسير الصافي في تفسير كلام الله الوافي، الفيض الكاشاني (ت 1090 هـ)؛ وأيضاً تفسير جامع البيان في تفسير القرآن، الطبري (ت 310 هـ) :الآية.