نوع المستند : مقالة البحثية
هل عَبَدَ الأصنامَ؟
مقدمة نقول: في زمن عبد المطّلب قبله وبعده نُصب فيما يحيط الكعبة بيت الله الحرام ـ الذي أرادت له السماء أن يكون بركةً وطهراً، وأريد له غير ذلك من قبل الجاهلين المعاندين ـ ثلاثمائة وستون صنماً! ولم يكتفوا بهذا، بل راحوا قبائل وأُسراً وأفراداً يجعلونها وكأنَّها تعيش بينهم، تواكبهم في حضـرهم وفي سفرهم، في عملهم وفي تجارتهم، في سلمهم وفي غزواتهم..، وذلك حين راحت كلُّ قبيلة تتخذ لنفسها صنماً، ومَن أراد أن يختصَّ بصنم له فعل ذلك، ومن سافر واستثقل حمل صنمه الكبير، حمل معه صنماً صغيراً بدلاً عنه، أو راح يبحث عن حجر من هنا وهناك، أو جَمَعَ تراباً وحلب شاته عليه؛ ليتماسك؛ فيطوف به، ويتمسح به، ويدعو عنده ويتوّسل.. ، ولا ضير عندهم في تنقلهم من صنم لآخر ومن حجر لآخر، ولا ضير إن جاعوا أكلوا ربَّهم إن صنعوه مما يؤكل كالتمر.. فهم يُحبّون تعدد أربابهم وآلهتم، ويحاربون من يدعو إلى غير ذلك، إلى مَن يدعو إلى إله واحد لا شريك له، إلى التوحيد الخالص المتمثل بـ: «لا إله إلّا الله هو الله الذي لا إله إلاّ هو» أساسه وأعظم أركانه، وهو الوارد في آيات قرآنيّة كثيرة، تدعو إلى عبادته وعدم جعل شريك له؛ منها:( وَاعْبُدُوا اللَهَ وَلَا تُشركُوا بِهِ شَيْئًا).[1]
ولهذا وقفوا بقوّة وشدّة ضدَّ دعوة رسول الله9 بعد بعثته المباركة، التي نادت بحصر الأُلوهية بالله وحده دون غيره. وبتوحيد الأُلوهية يتمُّ توحيد العبادة..
بعد أن أثارت دهشتهم وعجبهم واستغرابهم، وقاموا فزعين ينفضون ثـيابهم، أولاً، فتشدّدهم وتمردهم ومقاومتهم العنيفة ثانياً، وقد تمثّل هذا بقولهم:( وَعَجِبُواْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ٭ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَـهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ).
الشيخ الطبرسي: أي جاءهم رسول من أنفسهم مخوّف من جهة الله تعالى يحذرهم المعاصي وينذرهم النار. (وقال الكافرون هذا ساحر كذاب). حين يزعم أنه رسول الله9 (أجعل الآلهة إلهاً واحداً). هذا استفهام إنكار وتعجيب، وذلك أنَّ النبيَّ9 أبطل عبادة ما كانوا يعبدونه من الآلهة مع الله، ودعاهم إلى عبادة الله وحده، فتعجبوا من ذلك، وقالوا: كيف جعل لنا إلهاً واحداً بعد ما كنا نعبد آلهة، (إنَّ هذا). الذي يقوله محمد من أنَّ الإله واحد (لشيء عجاب). لأمر عجيب مفرط في العجب ! فأين موقع عبد المطّلب من ذلك؟
لقد كان عبد المطّلب ومَن هم على شاكلته ضدَّ ظاهرة الأصنام والأوثان وعبادتها، أو التوسل بها وطلب شفاعتها. وأعلنوا تمسّكهم بالتوحيد انطلاقاً من الحنيفية الإبراهيميّة المباركة: (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْـمُشْرِكِينَ).
التي جاء بها نبيُّ الله إبراهيم7، والتي تنطلق من تعاليم أخلاقية عظيمة، تدعو إلى حسن الخلق والسيرة، وتهدف إلى صفاء النفوس وتنقيتها، مع بقائها ملتزمةً بعبادة الله تعالى وتوحيده، ورفض عبادة ما دونه، وأن يكونوا على اتصال بالدعوة الإبراهيميّة، التي أمرت الجميع باتباعها سواء الذين سبقوا البعثة النبويّة، أم الذين جاؤوا أثناء البعثة وبعدها.. (قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمـُشْرِكِينَ).[2]
وكيف لا يكون كذلك، وعبد المطّلب من أولئك الساجدين، من تلك الأصلاب الطيبة والأرحام المطهرة، التي انبثق منها رسول الله9 على قولٍ نذكره في تفسير الآية الكريمة التالية: (وَتَقَلُّبَكَ). قراءةً فقد قرىء وتقلبك. وإعراباً: عطف على الكاف في يراك، وفي الساجدين حال، وفي بمعنى مع... السمين: قوله: (وَتَقَلُّبَكَ). اعطفٌ على مفعول( يَراك). أي: ويرى تَقَلُّبَك. وهذه قراءةُ العامَّةِ. وقرأ جناح بن حبيش بالياء مِنْ تحتُ مضمومةً، وكسـر اللامِ ورفعِ الباء جَعَلَه فعلاً، ومضارع قَلَّب بالتشديد، وعَطَفْه على المضارعِ قبلَه، وهو (يَراك). أي: الذي يُقَلِّبُك.
وبياناً، (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ)... أي ويرى تصـرُّفَك في المصلين بالركوع والسجود والقيام والقعود، أو في أركان الصلاة قائماً وراكعاً وساجداً.وتقلبك في الساجدين إذا صليت في جماعة. و... فهي ذات أقوال وروايات مختلفة، لخّصها ابن الجوزي بثلاثة: أحدها: وتقلُّبك في أصلاب الأنبياء حتى أخرجك، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثاني: وتقلُّبك في الركوع والسجود والقيام مع المصلِّين في الجماعة؛ والمعنى: يراك وحدك ويراك في الجماعة، وهذا قول الأكثرين منهم قتادة. والثالث: وتصرُّفك في ذهابك ومجيئك في أصحابك المؤمنين، قاله الحسن.
وما يهمنا منها روايةً وقولاً هو ما يتعلق لا بعبد الله والد النبيّ9 واُمّه آمنة بنت وهب فقط، بل بآباء النبيّ9 إلى آدم7 في كونها تصلح أن تكون دليلاً من أدلة على كونهم موحّدين؛ باعتبار كونهم (السَّاجِدِينَ). وهو الذي نكتفي بذكره: عن أبي جعفر7، قال: (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُوم). في النبوّة (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ)... قال: في أصلاب النبيين. وتقلبك في أصلاب الموحدين من نبيّ إلى نبيّ حتى أخرجك نبيًّا عن ابن عباس في رواية عطاء وعكرمة، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله صلوات الله عليهما قالا: في أصلاب النبيين نبيّ بعد نبيّ حتى أخرجه من صلب أبيه من نكاح غير سفاح من لدن آدم7. عطاء عن ابن عباس: أراد تقلبك في أصلاب الأنبياء من نبيّ إلى نبيّ حتى أخرجك في هذه الأمّة.
ابن عباس: أي في أصلاب الآباء، آدم ونوح وإبراهيم حتى أخرجه نبيّاً. وروى البزار وابن أبي حاتم من طريقين عن ابن عباس أنه قال: في هذه الآية يعني تقلبه من صلب نبيّ إلى صلب نبيّ حتى أخرجه نبيًّا. وأخرج ابن أبي عمر العدني في مسنده، والبزار وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس في قوله: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ). قال: من نبيّ إلى نبيّ حتى أخرجت نبيًّا. وتقلُّبك في أصلاب الأنبياء حتى أخرجك. وعنه: أنَّ معناه إنه أخرجك من نبيّ إلى نبيّ حين أخرجك نبياً. وعنه: في أصلاب آدم ونوح وإبراهيم حتى خرجت. وعنه: أراد وتقلبك في أصلاب الأنبياء من نبيّ إلى نبيّ حتى أخرجك في هذه الأُمّة. وروي أنَّه9 قال: لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات. وقال بعضهم: المراد بالساجدين المؤمنون أي يراك متقلبا في أصلاب وأرحام المؤمنين منذ زمن آدم وحواء الى عبد الله وآمنة.[3]
مع بعض أعلام التفسير:
الشيخ الطوسي:.. وقال قوم من أصحابنا: إنه أراد تقلبه من آدم إلى أبيه عبد الله في ظهور الموحدين، لم يكن فيهم من يسجد لغير الله.
النيسابوري:.. وقد احتج بالآية علماء الشيعة على مذهبهم أنَّ آباء النبيّ9 لا يكونون كفاراً. قالوا: أراد تقلب روحه من ساجد إلى ساجد كما في الحديث المعتمد عليه عندهم: (لم أزل أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات .(وناقشهم أهل السنة في التأويل المذكور وفي صحة الحديث. والأصوب عندي ـ والكلام ما زال للنيسابوري ـ أن لا نشتغل بمنع أمثال هذه الدعوى، ونسرح إلى بقعة الإمكان على أنَّه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول...
الآلوسي:.. وعن ابن جبير أنَّ المراد بهم الأنبياء:، والمعنى ويرى تقلبك كما يتقلب غيرك من الأنبياء: في تبليغ ما أمروا بتبليغه وهو كما ترى، وتفسير الساجدين بالأنبياء رواه جماعة منهم الطبراني والبزار وأبو نعيم عن ابن عباس أيضاً، إلّا أنّه رضي الله تعالى عنه فسّر التقلب فيهم بالتنقل في أصلابهم حتى ولدته أُمُّه عليه الصلاة والسلام، وجوّز على حمل التقلب على التنقل في الأصلاب أن يراد بالساجدين/المؤمنون. واستدل بالآية على إيمان أبويه9 كما ذهب إليه كثير من أجلّة أهل السنة، وأنا أخشى الكفر على من يقول فيهما رضي الله تعالى عنهما على رغم أنف عليّ القاري وأضرابه بضد ذلك، إلّا أنّي لا أقول بحجّية الآية على هذا المطّلب.[4]
فعلى هذا القول وما فيه من روايات؛ تشير إلى تلك الأصلاب الطيبة، وتلك الأرحام المطهرة، التي شكّلت دائرة طهر وطيب، قدّرت السماء لرسول الله9 أن يتنقل فيها ومن خلالها، وبالتالي لا يمكن أن يكون للكفر والشرك أثر فيها أبداً، فجاء هذا المدح القرآني الخالص من كلّ شائبة لهذه الدائرة المتمثلة بالساجدين، ولا يمكن أن يخصّ التنزيل العزيز أولئك الساجدين لغير الله تعالى من مشرك وكافر بهذا المدح المبارك!
ولا غرابة في ذلك وهو9 أتمّ مصداق لدعوة جدّه إبراهيم7: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُـبْنِي وَبَنِيَّ أن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ).[5]
الشيخ الطبرسي: أي اصرفني وإياهم عن عبادة الأصنام... أي والطف لي ولبنيَّ لطفاً نتجنب به عن عبادة الأصنام، ودعاء الأنبياء لا يكون إلّا مستجاباً، فعلى هذا يكون سؤاله ذلك مخصوصاً بمن علم الله من حاله أن يكون مؤمناً لا يعبد إلّا الله، ويكون الله سبحانه قد أذن له في الدعاء لهم واستجاب دعاءه فيهم. «فاستجاب الله تعالى لإبراهيم7 دعوته في ولده، فلم يعبد أحدٌ من ولده صنماً بعد دعوته» كما في رواية عن مجاهد.[6]
فقد كان عبد المطّلب، وبقدر تشدّده بالحنفية وتبعيته لها، رافضاً للأصنام والأوثان وعبادتها والتوسل بها أو طلب شفاعتها، فلقد عرف بعبادته لله تعالى، وما خلوته في غار حراء إلّا دليلاً على توجهه الصادق نحو عبادة الأحد الصمد، والتفكر في ملكوته وصفاته وأفعاله تعالى. فكان بحقٍّ واحداً من مصاديق عديدة لوجه من وجوه تفسير: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِين). ولتلك الأصلاب وكذا الأرحام، التي وصفها الحديث النبوي الشريف بالطاهرة: «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات». مما يعني أنَّ سلسلة آبائه وأمهاته9 حتى آدم وحواء لم يكن فيهم كافر أو مشرك؛ لأنَّ هذا خلاف الطهر، فمن يتصف بالكفر لا يوصف بالطهر وبأنه طاهر، فآباؤه9 ومنهم جدّه عبد المطلب كانوا على ملّة جدّهم إبراهيم7 حنفاء، مما يعني أنَّ هناك اُناساً عبر القرون ـ وإن انحرف الكثيرون غيرهم عن التوحيد وعن ملّة إبراهيم7 ـ بقوا على توحيدهم واتباعهم لملّة إبراهيم7، إضافةً إلى أخبار وأقوال المؤرخين، التي تظافرت على أنَّ بني هاشم آباء النبيِّ9 كانوا لا يضاهيهم أحدٌ في أقدارهم وخيريتهم وأشرفيتهم وأفضليتهم على غيرهم، فمثلاً يقول اليعقوبي: «عبد المطّلب قد أعطاه الله من الشرف ما لم يعط أحداً». وبالتالي فإنَّ حجّة الله تعالى باقية على الناس ومستمرة بوجود هؤلاء وإن كانوا قلّة. وقد تجسّد موقف هؤلاء الحنفاء على قلّتهم في رفضهم الشديد والثابت لأناس كثر في مكّة المكرَّمة جمعهم ما كانوا يعبدون من دون الله عزَّوجلَّ، يعبدون من الأصنام ما يشتهون، ومن الأوثان ما يُحبون، فكانوا من الجاهلين، وهم بهذا ابتعدوا عن ملّة نبيّ الله وخليله إبراهيم7، وخالفوها.. هذه الملّة التي أمرت السماء حتى نبيَّنا محمداً9 باتباعها: (أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمـُشْرِكِينَ).[7]
لقد تجلّت مواقف أولئك الحنفاء العرب في بحثهم عن الدين الحقّ، وتطلعهم لظهوره، وترقبهم لنبيّه الخاتم صلوات الله عليه..!
كما أنَّ الأحناف ظلوا يمارسون عباتهم بعيداً عن قومهم في كهوف خصوصاً في شهر رمضان، فيما كان عبد المطّلب يأوي إلى غار حراء.. فهو لا فقط كان واحداً منهم، بل كان سيدهم في هذا الأمر، يسمعون منه ويطيعون... ولعلَّ أجمل مناقبه هو أنَّه كان موحداً، لم يسجد لصنم، ولم يعبد إلّا ربَّ البيت العتيق، وهكذا عرفت سيرته بين قومه، وظلَّ طيلة حياته على دين إبراهيم7 وشريعته، أو على ما بقي منه كما هو حال غير عبد المطّلب من الأحناف، فهو يدين بالملّة الحنيفية الإبراهيمية نسبة الى جدّه إبراهيم الخليل، الذي كان كما وصفه القرآن الكريم: (أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمـُشْرِكِينَ). وإن قيل فيه غير ذلك، ومنه: أنَّ عبد المطّلب ومَن على شاكلته معذورون على الراجح؛ لقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً).[8] لكونهم من أهل الفترة، وهو مصطلح استخلص من الآية: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُـنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).[9]
يراد به ذلك الزمن الذي لم يُرسل فيه نبيٌّ ولا رسولٌ، ولم ينزل فيه كتاب. وغالباً هو وقت يقع بين بعثة نبيّ وبعثة نبي آخر.
الشيخ الطبرسي: الفترة فعلة من فتر عن عمله يفتر فتوراً إذا سكن فيه وفترته عنه، والفترة انقطاع ما بين النبيين عند جميع المفسرين...(رَسُولُنَا). يعني محمداً9 (يُبَيِّنُ لَكُمْ). أي يوضح لكم أعلام الدين، وفيه دلالة على أنه سبحانه اختصّه من العلم بما ليس مع غيره (عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ). أي على انقطاع من الرسل ودروس من الدين والكتب. وفيه دلالة على أنَّ زمان الفترة لم يكن فيه نبيّ، وكانت الفترة بين عيسى ومحمد8 وكانت النبوة متصلة قبل ذلك في بني إسرائيل.. واختلفوا في مُدّة الفترة بينهما، فقيل: ستمائة سنة.. وقيل: خمسمائة سنة وستون.. وقيل: أربعمائة وبضع وستون سنة.. وقيل: خمسمائة وشيء.. وقيل: كان بين ميلاد عيسى ومحمد8 خمسمائة وتسع وستون سنة.[10]
ببركة ذلك النور !
وهنا لابدَّ لنا من ذكر ما راح الشهرستاني(ت 548 هـ) يتحدّث عنه في كتابه الملل والنحل، حين يقول: اعلم أنَّ العرب في الجاهلية كانت على ثلاثة أنواع من العلوم: أحدها: علم الأنساب والتواريخ والأديان، ويعدونه نوعاً شريفاً، خصوصاً معرفة أنساب أجداد النبيّ9، والاطلاع على ذلك النور الوارد من صلب إبراهيم إلى إسماعيل8 وتواصله في ذريته إلى أن ظهر بعض الظهور في أسارير عبد المطلب؛ سيد الوادي شيبة الحمد، وسجد له الفيل الأعظم، وعليه قصة أصحاب الفيل وببركة ذلك النور دفع الله تعالى شرَّ أبرهة، وأرسل عليهم طيراً أبابيل. وببركة ذلك النور رأى تلك الرؤيا في تعريف موضع زمزم، ووجدان الغزالة والسيوف، التي دفنتها جرهم. وببركة ذلك النور ألهم عبد المطّلب النذر، الذي نذر في ذبح العاشر من أولاده، وبه افتخر النبيّ9 حين قال: «أنا ابن الذبيحين» أراد بالذبيح الأول إسماعيل7، وهو أول من انحدر إليه النور فاختفى، وبالذبيح الثاني عبد الله بن عبدالمطّلب، وهو آخر من انحدر إليه النور، فظهر كلّ الظهور. وببركة ذلك النور كان عبد المطّلب يأمر أولاده بترك الظلم والبغي. ويحثّهم على مكارم الأخلاق، وينهاهم عن دنيات الأمور. وببركة ذلك النور كان قد سلم إليه النظر في حكومات العرب، والحكم بين المتخاصمين، فكان يوضع له وسادة عند الملتزم، فيستند إلى الكعبة، وينظر في حكومات القوم. وببركة ذلك النور قال لأبرهة: «إنَّ لهذا البيت ربًّا يحفظه ويذب عنه». وفيه قال وقد صعد إلى جبل أبي قبيس:
لا هُمَّ إنَّ المرء يمـ ... ـنع حلّه، فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم، ومحالهم غدراً محالك، إن كنت تاركهم وكعـ ... ـبتنا فأمر ما بدا لك، وببركة ذلك النور، كان يقول في وصاياه: إنه لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم الله منه وتصيبه عقوبة، إلى أن هلك رجل ظلوم حتف أنفه لم تصبه عقوبة، فقيل لعبد المطلب في ذلك، ففكر وقال: والله إنّ وراء هذه الدار داراً يجزي فيها المحسن بإحسانه، ويعاقب فيها المسـيء بإساءته. ومما يدلّ على إثباته المبدأ والمعاد أنه كان يضرب بالقداح على ابنه عبد الله، ويقول:
يا رب أنت الملك المحمود
وأنت ربي المبدئ والمعيد
من عندك الطارف والتليد.
ويواصل الشهرستاني كلامه عن عبد المطلب قائلاً: ومما يدلّ على معرفته بحال الرسالة وشرف النبوة أنَّ أهل مكة لما أصابهم ذلك الجدب العظيم، وأمسك السحاب عنهم سنتين، أمر أبا طالب ابنه أن يحضر المصطفى محمداً9، فأحضره وهو رضيع في قماط، فوضعه على يديه، واستقبل الكعبة ورماه إلى السماء، وقال: يا رب بحقّ هذا الغلام! ورماه ثانياً وثالثاً. وكان يقول: بحقّ هذا الغلام اسقنا غيثاً مغيثاً دائماً هطلاً! فلم يلبث ساعة أن طبق السحاب وجه السماء وأمطر، حتى خافوا على المسجد.
وأنشد أبو طالب ذلك الشعر اللامي الذي منه:
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه
ثمال اليتامى عصمة للأرامل.[11]
ومن ذكر ما جاء عن الوراق (ت247 هـ) فعن الشـريف المرتضـى (ت436هـ) حكى أبو عيسى الوراق في كتابه (كتاب المقالات): أنَّ العرب صنوف شتى، صنف... ومنهم صنف... وممن كان يقرُّ بالخالق وابتداء الخلق والإعادة والثواب والعقاب، عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف، وزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة الأيادي النزاري. وكان عبد المطّلب يوصي ولده بترك الظلم، ويأمرهم بمكارم الأخلاق، وينهى عن... وكان بدئياً.
يقول عبد المطّلب في وصاياه: إنه لم يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم الله منه ويصيبه عقوبة، إلى أن هلك رجل ظلوم ومات حتف أنفه لم تصبه عقوبة، فقيل لعبدالمطلب ذلك، ففكر ثم قال: فوالله، إنَّ وراء هذه الدار داراً، يجزى المحسن بإحسانه، والمسئ يعاقب على إساءته. ومما دلَّ على إقراره بالإعادة قوله وهو يضـرب بالقداح على عبد الله ابنه أبي النبيّ9 وعلى الإبل: يا رب أنت الملك المحمود * وأنت ربّي المبدئ المعيد * والعبد عبدك الطارف والتليد. في أرجوزة طويلة. وقد زعم بعض الناس أنَّ عبد المطّلب لم يعبد صنماً، وأنه كان موحداً«حنيفاً» على ملّة إبراهيم، وكذلك كان أبو النبيّ9. وبالتالي: فلم يكن عبدالمطّلب ولا أجداد النبيّ9 الآخرين يعبدون الأصنام. كان عبد المطّلب يعتقد بوحدانية الله تعالى. ورفض في آخر عمره عبادة الأصنام، ووحد الله... ولم يعبد الأصنام. ورفض عبادة الأصنام و وحد الله عزَّوجلَّ. وهو القائل: أنا على دين أبي إبراهيم. حتى عرف واشتهر عند الجميع رفضه لعبادة الاصنام، وثقافتها السائدة في عصره... وينقل الشيخ الصدوق أنَّ النبيَّ9 قال للإمام عليّ7: لم يكن عبدالمطّلب يلعب القمار، ولم يعبد الأصنام، وكان يقول: أنا على دين أبي إبراهيم. وعن الأصبغ بن نباتة قال: سمعتُ أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول: والله ما عبد أبي، ولا جدّي عبد المطّلب، ولا هاشم، ولا عبد مناف صنماً قطّ. قيل له: فما كانوا يعبدون؟ قال7: كانوا يصلّون إلى البيت على دين إبراهيم7 متمسّكين به.
ثمَّ إن كان عبدالمطّلب كافراً، فهل يصحُّ لرسول الله9 أن يفتخر به، ويرفع بذلك قدره وشأنه وذكره، وذلك في قوله9: «أنا النبيُّ لا كذب، أنا ابن عبد المطّلب». فعن أبي إسحاق أنَه قال: سأل رجل البراء رضي الله عنه، فقال: يا أبا عمارة أوليتم يوم حنين؟ !قال البراء، وأنا أسمع: أما رسول الله9، لم يول يومئذ، كان أبوسفيان بن الحارث آخذاً بعنان بغلته، فلما غشيه المشركون نزل، فجعل يقول: «أنا النبيُّ لا كذب، أنا ابن عبد المطّلب». قال: فما رئي من الناس يومئذ أشدَّ منه... وأما نسبته إلى عبد المطّلب دون أبيه عبد الله، فكأنها لشهرة عبد المطّلب بين الناس لما رزق من نباهة الذكر وطول العمر، بخلاف عبد الله فإنه مات شاباً، ولهذا كان كثير من العرب يدعونه ابن عبد المطّلب، كما قال ضمام بن ثعلبة لما قدم: أيكم ابن عبدالمطّلب؟ وقيل: لأنَّه كان اشتهر بين الناس أنّه يخرج من ذرية عبد المطّلب رجل يدعو إلى الله، ويهدي الله الخلق على يديه، ويكون خاتم الأنبياء، فانتسب إليه؛ ليتذكر ذلك من كان يعرفه، وقد اشتهر ذلك بينهم. وذكره سيف بن ذي يزن قديماً لعبد المطّلب قبل أن يتزوج عبد الله آمنة. وأراد النبيُّ9 تنبيه أصحابه بأنه لا بدَّ من ظهوره، وأنَّ العاقبة له؛ لتقوى قلوبهم إذا عرفوا أنّه ثابت غير منهزم. وأما قوله: «لا كذب» ففيه إشارة إلى أنَّ صفة النبوّة يستحيل معها الكذب، فكأنه قال: أنا النبيُّ، والنبيُّ لا يكذب، فلستُ بكاذبٍ فيما أقول حتى أنهزم، وأنا متيقن بأنَّ الذي وعدني الله به من النصر حقٌّ، فلا يجوز عليَّ الفرار. وقيل: معنى قوله: «لا كذب» أي أنا النبيُّ حقّاً، لا كذب في ذلك. هذا وقد ذكروا أنّه كان يخلو مع نفسه في غار حراء، يتعبّد، وقد يكون يفكّر فيما عليه قومه وأحوالهم.. وقد تكون شدّة التزام قومه بعبادة الأصنام وقوّة تمسّكهم بها، وتعصبهم المذموم في هذا، فرضت عليه الصمت إزاء ما يعبدون، وبالتالي لم يتمكن من تغيير ما هم عليه رغم عدم رضاه، وعدم قبوله بما هم عليه. ورغم أنَّ قريشاً كانت تجلّه، وتقول: عبد المطّلب إبراهيم الثاني. ويبدو أنَّه لقب بهذا لقوّة التزامه بالحنيفية الإبراهيميّة. وأنَّها كانت إذا أصابها قحط شديد، تأخذ بيدي عبدالمطّلب، فتخرج به إلى جبل ثبير، تستسقي به المطر، فيسقون. ورغم أنَّهم يروون أنه كان ـ والكلام للدكتور جواد علي ـ مفزع قريش في النوائب، وملجأهم في الأمور، وأنه كان من حلماء قريش وحكمائها، وممن حرم الخمر على نفسه، وهو أول من تحنث بغار حراء. والتحنث التعبد لليالي ذوات العدد. وكان إذا دخل شهر رمضان، صعده وأطعم المساكين، وكان صعوده للتخلي من الناس، ليتفكر في جلال الله وعظمته. وكان يعظم الظلم بمكة، ويكثر للطواف بالبيت... ولهذا كان عبد المطّلب يستحق وبجدارة وساماً مباركاً كما في رواية نسبت إلى النبيِّ9 أنه قال: إنَّ الله يحشـر جدّي عبد المطّلب بسيماء الأنبياء وهيبة الملوك! وكذا.
عن زرارة بن أعين، عن أبي عبد الله7 قال: يحشـر عبد المطّلب يوم القيامة أُمّة واحدة، عليه سيماء الأنبياء وهيبة الملوك... عن مقرن، عن أبي عبد الله7 قال: إنَّ عبد المطّلب أول من قال بالبداء، يبعث يوم القيامة أمّة وحده، عليه بهاء الملوك وسيماء الأنبياء.[12]
سننه ومكارم الأخلاق:
وعبد المطّلب على حالته هذه، قد اتفقت الأخبار بأنَّ سنناً كثيرةً انبثقت منه، وسنَّها، وأقرّتها شريعة الإسلام بعد البعثة النبويّة المباركة، منها: ما عن الإمام الصادق7 أنَّ النبيَّ9 قال للإمام عليٍّ7: «لقد أجرى عبد المطّلب خمس سنن في الجاهلية، قد اقرَّها الله في الإسلام: فقد حرّم زواج الابن من زوجة أبيه، وجاء القرآن بمثل هذا: (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ).[13]
لمّا حفر بئر زمزم ووجد فيه المجوهرات، التي رماها آخر حكّام جرهم وهي الهدايا المقدمة للكعبة، أخذها له ودفع خمسها فقط، والله تعالى يقول: ( واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَأنَّ لِلهِ خُمُسَهُ).[14] لما حفر زمزم سمّاه سقاية الحاج، فأنزل الله عزَّوجلَّ: (أجَعَلْتُمْ سِقايةَ الْحاجِّ وعِمارَةَ الْـمَسْجِدِ الْـحَرامِ كَمنْ آمَنَ بِاللهِ والْيَومِ الْآخِر).[15]
جعل عبد المطّلب دية المقتول مئة ناقة، وكذلك جعلها الإسلام.
جعل أشواط الطواف سبعة ، ومن قبله لم تكن محدّدة بعدد :
أنَّه حرم الخمر على نفسه، وتبعه في هذا ابنُه أبو طالب. ومنها الوفاء بالنذر، ومنها منع نكاح المحارم وتحريمه للزنا. وكان هناك طواف للعراة من النساء ليلاً، وللرجال نهاراً، والذي انتشـر في ذلك الزمن. إلّا أنّ عبد المطّلب منع التعري في الطواف بالبيت الحرام. كما روي أنه وضع سنناً جاء القرآن بأكثرها، وجاءت السنة بها، منها: الوفاء بالنذر، وتحريم الخمر والزنا، وأن لا يطوف بالبيت عريان. وذكر أنَه كان أول من سنّ دية النفس مئة من الإبل، وكانت الدية قبل ذلك عشـراً من الإبل، فجرت في قريش والعرب مئة من الإبل. وأقرّها رسول الله على ما كانت عليه.
واليعقوبي في تاريخهِ بعد أن ذكر أنَّ: عبد المطّلب كان يعتقد بوحدانية الله تعالى،... ورفض عبادة الأصنام، ووحد الله عزَّوجلَّ، ووفى بالنذر يقول: «وسنَّ سنناً نزل القرآن بأكثرها، وجاءت السنة من رسول الله بها وهي: الوفاء بالنذور، ومائة من الإبل في الدية، وألّا تنكح ذات محرم، ولا تؤتى البيوت من ظهورها، وقطع يد السارق، والنهي عن قتل الموؤدة، والمباهلة، وتحريم الخمر، وتحريم الزناء، والحد عليه، والقرعة، وألّا يطوف أحد بالبيت عرياناً، وإضافة الضيف، وألّا ينفقوا إذا حجّوا إلّا من طيب أموالهم، وتعظيم الأشهر الحرم، ونفي ذوات الرايات.. وذكر أنه كان يأمر أولاده بترك الظلم والبغي، ويحثّهم على مكارم الأخلاق، وينهاهم عن دنيات الأمور. وكان يقول: «لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم الله منه، وإنَّ وراء هذه الدار داراً يجزى فيها المحسن بإحسانه، ويعاقب المسـيء بإساءته![16] ولا يستقسم بالأزلام، ولا يأكل ما ذبح على النصب. وإذا لم تصب الظلوم في الدنيا عقوبة، فهي معدة له في الآخرة».
أيام عبد المطّلب :
من هذه العقيدة الثابتة؛ عقيدة التوحيد، ومن يقينه وصدق اتباعه: (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمـُشْرِكِينَ).[17] انبثقت مواقفه، فكانت أياماً أكّدها التاريخ، شخصت به وله دون غيره، عظم فيها قدرُه، وعلا فيها شأنُه، وعُدت من كراماته، راحت تنير لنا مسيرته في حياته، وخلّدته بعد مماته، فبعد أن ولي عبد المطّلب بن هاشم ـ والكلام لابن إسحاق ـ السقاية والرفادة بعد عمّه المطلب، فأقامها للناس، وأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون قبله لقومهم من أمرهم، وشرف في قومه شرفاً لم يبلغه أحدٌ من آبائه، وأحبّه قومه، وعظم خطره فيهم. لقد شهد له التاريخ بأيام كانت خاصةً به، فمن أيامه الكبرى، هناك يومان كان مردودهما للكعبة وللبيت الحرام ومكة المكرمة وما حولها، وهما: يوم زمزم. ويوم الفيل.
وقد بدأنا بيوم الفيل، وجعلناه اليوم الأول من أيام عبد المطّلب في مقالتنا هذه، لأنَّه يُعدُّ الأخطر في حياته وفي الجزيرة العربية، يُقابله فيه أبرهة الأشرم بن الصباح الحبشي، وهو الذي يكنى بأبـي يكسوم بالسين المهملة، وأبرهة معناه بالحبشة الأبيض الوجه؛ عن الواقدي: أبرهة جدُّ النجاشي الذي كان في زمن الرسول9 وهو يقود حملته العسكرية الكبرى سنة 570 أو 571م. وقيل: ما بين 568 و 569 م . وقد تكون الأُولى في تاريخ الكعبة المباركة. انطلاقاً من كونه ملك بلاد اليمن، أو كان والياً عليها من قبل ملك الحبشة النصراني، لا فقط لتخريب الكعبة بناءً، بل لإنهاء فعلها وتأثيرها ودورها في جلب الحجّاج والمعتمرين، واستبدالها بكعبته المزعومة في صنعاء القُليس.
القُليس:
تلك التي كانت في فترة الاحتلال الحبشي لليمن في القرن السادس الميلادي، تقع في الحي الشرقي من مدينة صنعاء القديمة من بلاد اليمن، وتحديداً بالقرب من السوق العثماني المعروف بـ:«سوق الملح». ويومها كانت في مكان معبد حميري (نسبة إلى دولة حمير القديمة). أتت تسميتها من اللغة الحبشية من كلمة قليص بمعنى المعبد، أو هي باللغة الحميرية المعبد أو الكنيسة. وأطلق عليها أبرهة الحبشـي الأشرم وكان نصرانيًّا اسم الكعبة، بعد أن شيّدها بارتفاع ثلاثين متراً وبعشـرين متراً عرضاً في أحسن هيئة وأجمل عمارة. وتذكر روايات تاريخية أنَّها كانت بطول60 ذراعاً إلى السماء، ويصعد إليها بدرج من رخام، وكانت حجارتها مثلثة الشكل متداخلة بعضها ببعض، ملونة بالأخضر والأبيض والأصفر من الذهب والفضة والأحجار الثمينة،... ويرى المؤرخون أنها تعدُّ من الروائع التاريخية التي تفنن فيها الإنسان، ووصفوها بأنها كانت تتميز بتصميم هندسي فريد، فهي تضمُّ فناءً واسعاً محاطاً بفضاء فسيح للتنزه، وأنشئ مدخل الكنيسة من الجانب الغربي وطليت أبوابها بالذهب والفضة، وكان عقدها من الداخل يرتكز على أعمدة من الخشب الثمين المزين بالرسوم وبمسامير من الذهب والفضة، وكانت لها قبة بقطر يبلغ حوالي20متراً، وفي مركز القـبّة لوحة من الرخام البراق تسمح بمرور الضوء، وكان البلاط المستخدم من المرمر الملون، وأمام الهياكل والمذابح المقدسة أبواب مموهة بالذهب ومرصعة بالأحجار الكريمة.
هذا ما حكي عن المؤرخ اليمني والباحث في التاريخ الإسلامي علي بن جار الله بن الذيب. صحيفة العرب: كعبة أبرهة الحبشي.. والجزيرة: القليس في الوقت الحالي. إضافةً لما قاله الدكتور علي سيف أستاذ التاريخ في جامعة صنعاء: عند دخول الأحباش إلى اليمن سنة 525 بعد الميلاد، اتخذوا من صنعاء عاصمة لهم وقاموا ببناء كنيسة القليس. حينذاك، أرسل الامبراطور البيزنطي عمالاً إغريقاً محمّلين بالفسيفساء والمرمر لاستخدامهما في تشييد القليس؛ ولتكون لاحقاً محطةً للمسيحيين في جزيرة العرب. وكان من أهمّ أسباب قيام كنيسة القليس السعي إلى اختطاف الأضواء من الكعبة المشرفة! والدكتور محمد العروسي، أستاذ الآثار والعمارة الإسلامية في جامعة صنعاء، لخّص قصة القليس: كانت الحبشة مركزاً لنشـر الديانة المسيحية في القرن الأفريقي والشـرق الأوسط. طُرحت فكرة بناء كنيسة القليس على الامبراطور الروماني وكانت الفكرة أن يتم تشييد كاتدرائية لا مثيل لها تسمى كاتدرائية صنعاء، والكاتدرائية اسم يطلق على أكبر الكنائس الدينية، وأن يتم بناؤها بفخامة كبيرة وبعدها يُصار إلى هدم الكعبة وتوجيه الناس في اليمن للحج في غرقة القليس.
ولهذا ذكر ابن إسحاق، كما في تفسير الطبري، أنَّها: لم يُر مثلها فى زمانها بشىء من الأرض، وكتب إلى النجاشي ملك الحبشة: إنى قد بنيتُ لك كنيسة لم يُبن مثلها لملك كان قبلك...! لقد أنشأها إرضاءً لمليكه، وحتى يصرف إليها حجّ العرب كما صرّح هو به. وبغضاً للكعبة في مكة وحسداً لأهلها ولكثرة زوّارها، وما تسميتها من قبله بالكعبة؛ إلّا لتحقيق رغبته تلك، وليصرف أنظار العرب عن كعبتهم، ومحاولة منه لاجتثاث، لا فقط أحجارها وبنائها، بل ذكرها من وجدانهم، وإخراجها من تاريخهم...، وبالتالي يألفون زيارة كنيسته والتفاعل معها بمرور السنين، ونسيان كعبتهم الإبراهيمية المباركة!... وسيأتي ما آلت إليه كنيسته هذه.[18]
نقف عند يوم عبد المطّلب هذا تأريخيًّا، وروائيًّا، ثمَّ قرآنيًّا:
فتأريخيًّا؛ شهد ذلك اليوم حادثاً خطيراً كما حملته الرواية التأريخية وأخبارها، التي توفّرت عليها مصادر التأريخ والسير والتفسير والرواية مطوّلةً ومختصرةً، كاد أن يُنهي الكعبة، لولا إرادة السماء، التي حالت بين أبرهة الأشرم وبين ما يريد، فمنعت وقوعه، وقضت أن يكون بما أصاب أبرهة المعتدي على بيت الله الحرام من هزيمة عظيمة نكراء عبرةً لمن هم على شاكلته من الظلمة والمعتدين، ويوم عظة للمظلومين والمتجاوَز عليهم، وأن يكون يوماً مباركاً بنصر الله عزَّوجلَّ صيانةً للكعبة على مَن أرادوا كيداً لها، فإذا بهم هم المكيدون، حين تحوّل كيدهم في نحورهم، ومضـرّته سرعان ما عادت إليهم وعليهم.
بل ويُعدُّ عاماً مباركاً زادته بركةً ولادةُ رسول الله9 فيه، ففي قولٍ: واقعة الفيل كانت تقدمة قدمها الله تعالى لنبيّه محمد9 وبيته في الشهر المحرم قبل مولده9 بخمسين أو بخمسة وخمسين يوماً.
وفي قولٍ: كان أمر الفيل في العام الذي ولد فيه رسول الله9 وعليه أكثر العلماء. وقيل: كان أمر الفيل قبل مولد النبيّ9 بثلاث وعشرين سنة عن الكلبي. وقيل: كان قبل مولده بأربعين سنة عن مقاتل. والصحيح الأول كما يذهب إليه الشيخ الطبرسي، وكذا القرطبي، بعد أن يذكر قول مقاتل: كان عام الفيل قبل مولد النبيّ9 بأربعين سنة. وقول الكلبي وعُبيد بن عمير: كان قبل مولد النبيّ9 بثلاث وعشرين سنة. يقول: والصحيح ما روي عن النبيّ9 أنه قال: «ولدت عام الفيل». وروي عنه أنه قال:«يوم الفيل». حكاه الماوردِيّ في التفسير له. وقال في كتاب أعلام النبوّة: ولِد رسول الله9 يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأوّل، وكان بعد الفيل بخمسين يوماً. ويبقى القول: إنَّ عام الفيل قبل مولد النبيّ9 بأربعين سنة أو بثلاث وعشرين سنة. قولاً ضعيفاً..
وعن الشيخ الكليني: ولد النبيّ9 لاثنتي عشـر (عشـرة) ليلة مضت من شهر ربيع الأول في عام الفيل يوم الجمعة مع الزوال، وروي أيضاً عند طلوع الفجر قبل أن يبعث بأربعين سنة، وهو قول موافق لما ذهب إليه غير الشيعة، إلّا في كونهم نصّوا على يوم الاثنين، فيما الشيخ وكذا الشيخ الطبرسي نصَّا على يوم الجمعة. وما ذكره الشيخ الكليني مخالف لما عليه مشهور الشيعة وبعض من غيرهم أنَه9 ولد في السابع عشر من شهر ربيع الأول من عام الفيل.
وقفة مع الزهري:
وفي خبر أنّه كان عبد المطّلب غلاماً شابًّا حين قابل أبرهة، وأنَّ حفر زمزم ـ وهو اليوم الثاني لعبد المطّلب كما يأتينا في مقالتنا هذه ـ وقع بعد نصر الله عزَّوجلَّ على أبرهة، فقد جاء عن الأزرقي أنَّ الزهري قال: أول ما ذكر من عبد المطّلب بن هاشم جدّ رسول الله9 أنَّ قريشاً خرجت فارّةً من أصحاب الفيل، وهو غلام شابٌّ، فقال: واللهِ لا أخرج من حرم الله أبتغي العزَّ في غيره! فجلس عند البيت، وأجلت عنه قريش، فقال: لَاهُمَّ إِنَّ الْـمَرْءَ يَمْنَعُ رَحْلَهُ فَامْنَعْ رِحَالَكْ * لَا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُمْ وَضَلَالُهُمْ عَدْوًا مَحَالَكْ، فَلَمْ يَزَلْ ثَابِتًا فِي الْحَرَمِ حَتَّى أهْلَكَ اللهُ الْفِيلَ وَأصْحَابَهُ، فَرَجَعَتْ قُرَيْشٌ وَقَدْ عَظُمَ فِيهَا لِصَبْرِهِ وَتَعْظِيمِهِ مَحَارِمَ اللهِ عَزَّوَجَلَّ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ وُلِدَ لَهُ أكْبَرُ بَنِيهِ، فَأدْرَكَ وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْمـُطَّلِبِ، فَأُتِيَ عَبْدُ الْمـُطَّلِبِ فِي الْمـَنَامِ، فَقِيلَ لَهُ: احْفِرْ زَمْزَمَ خِبْأةَ الشَّيْخِ الْأعْظَمِ،...
فقد جعل يوم الفيل :
أول ما ذكر من عبد المطّلب... أنَّ قريشاً خرجت فارّةً من أصحاب الفيل، وهو غلام شابٌّ. أي أنَّ يوم الفيل أول أيامه. وبالتالي فإنَّ حفره لبئر زمزم وقع بعد الفيل بدليل قوله :فَبَيْنَمَا هُوَ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ وُلِدَ لَهُ أَكْبَرُ بَنِيهِ، فَأدْرَكَ وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْـمُطَّلِبِ... وهو غلامٌ شابٌّ. إن كان الزهري يريد بقوله هذا أنَّ عبد المطّلب كان غلاماً شاباً بمعنى أنَه لم يتجاوز العشرين عاماً، وهذا قد يصحُّ إن أخذنا بالقول: إنَّ أمر الفيل كان قبل مولد رسول الله9 بأربعين سنة. وإلّا فكيف يكون هذا إذا قلنا: إنَّ وقعة الفيل أي وقت حملة أبرهة، كانت قبل البعثة النبوية بأربعين عاماً، أي في عام ولادة النبيّ9 وكان لعبد المطّلب من الأبناء عشرة أقلّهم سنًّا هو عبد الله أبوالنبيّ9، وكان عمره يوم ولد رسول الله9 ثمانية وعشـرين عاماً تقريباً، فقد أرخوا أنَّ عبد الله بن عبد المطّلب ولد بمكة المكرمة قبل الفيل بثمانية وعشـرين عاماً، فإن صحَّ هذا فإنَّ ولادته كانت 81 وفي قول: 79 ، 78 قبل الهجرة النبويّة،.. ولكن لعلَّ الزهري لا يقصد المرحلة العمرية المعينة والمعروفة، بل لعلَّه كان يقصد بوصفه هذا لعبد المطّلب هو كما يقال: ـ والكلام لابن الأعرابي ـ فلان غُلام الناس وإن كان كهلاً، كقولك فلان فتى العسكر وإن كان شيخاً. وربَّما أطلقه على عبد المطّلب مجازاً؛ ويطلق الغلام على الرجل مجازاً باسم ما كان عليه، كما يقال للصغير: شيخ مجازاً باسم ما يئول إليه. ثُمَّ كيف فَبَيْنَمَا هُوَ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ وُلِدَ لَهُ أكْبَرُ بَنِيهِ، فَأدْرَكَ وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْـمُطَّلِبِ؟ !فهل يقصد في كلمته (فبينما هو في ذلك)، أي فَلَمْ يَزَلْ ثَابِتًا فِي الْحَرَمِ حَتَّى أهْلَكَ الله الْفِيلَ وَأصْحَابَهُ، فَرَجَعَتْ قُرَيْشٌ وَقَدْ عَظُمَ فِيهَا لِصَبْرِهِ، وَتَعْظِيمِهِ مَحَارِمَ اللهِ عَزَّوَجَلَّ. فإن كان كذلك، فهو يعني أنَّ الحارث ولد في حادثة الفيل أو أدرك بُعيدها، فشارك أباه كولد وحيد له في حفر زمزم، وهذا لا يتمُّ إلّا إذا كان الزهري يرى أنَّ وقعة الفيل لم تكن في عام ولادة رسول الله9 بل قبله؛ كأن تكون قبله بأربعين عاماً. وإلّا فأولاد عبد المطّلب بلغ عددهم عشرة أقلهم سنًّا عبد الله أبو النبيّ9 إن قلنا: إنَّ ولادته9 المباركة في عام الفيل.. هذه ملاحظة أو إشارة مختصـرة لما نُسب للزهري قد تنفع.
فما من مصدر تأريخي ولا تفسيري ولا حديثي ـ فيما تيسـّر لي ـ يتحدث عن الولادة المباركة لسيد الأنبياء والرسل محمد بن عبد الله9 إلّا وقد أرَّخ ـ على المشهورـ مولده9 المبارك في عامه الذي عرف بعام الفيل، وصرح بأنه ولد في عام الفيل، وأنّه وقع قبل البعثة النبوية الشريفة بأربعين عاماً،.. ويوم الفيل أو عام الفيل هو ما سمّته المصادر التاريخية وكذا التفسيرية، وصار موضع اهتمام التاريخ، فسجلته مصادره وأخباره؛ وأشارت له أقوال مشهور المؤرخين واعتنت به أيما عناية، حتى راح العرب يحددون أيامهم ووقائعهم انطلاقاً من هذا العام، فتلك وقعت قبل عام الفيل، وهذه وقعت بعد عام الفيل، ولد فلان أو تزوّج أو مات أو قتل في عام الفيل؛ أو قبله أو بعده، أو بكذا يوم أو سنة...، حتى جعلوا يوم الفيل أو عامه، وكأنَه تقويمٌ لهم في أحداثهم وغزواتهم وما وقع عندهم من أمور، وهكذا هم يؤرخون بأيامهم الأُخر لا فقط بيوم أو عام الفيل..
الأزرقي:... الْعَرَبُ تُؤَرِّخُ بِهِ، فَكَانُوا يُؤَرِّخُونَ فِي كُتُبِهِمْ وَدُيُونِهِمْ مِنْ سَنَةِ الْفِيلِ، وَفِيهَا وُلِدَ رَسُولُ اللهِ9،...
يقول جواد علي في المفصل:
صار العرب يؤرخون بعام الفيل، فلم تزل قريش والعرب بمكة جميعاً تؤرخ بعام الفيل، ثمَّ أرخت بعام الفجار، ثمَّ أرخت ببنيان الكعبة...[19]
لقد سُجل لعبد المطّلب دورٌ بارز ٌ فيه، حتى عُدَّ هذا اليوم واحداً من أيامه، إن لم نقل من أخطر أيامه وأشدّها عليه وأحرجها من جهة، ومن جهة اُخرى كان خير مصداق لقوّة توحيده لله تعالى وعظيم ثقته به عزَّوجلَّ. فعبد المطَّلب كبير قريش وسيد البطحاء، ومن ذلك الموقع التوحيدي الإبراهيمي الحنيفي المتمسك به، وقد ناهز السبعين من العمر أو جاوزها، كان في ذلك اليوم؛ بل وفي جميع أيامه ومواقفه، قوي الجنان، رابط الجأش، لايضطرب ولايضعف عند المفاجأة! وبالذات إزاء محاولة أبرهة مهاجمة مكة وهدم البيت العتيق! ولا غرابة ولا ريب في هذا وهو الذي قد أعطاه الله: في زمانه وأجرى على يدَيه، وأظهر من كرامته ما لا يُعرف مثله إلّا لِنبيٍّ مُرسَل، وإنَّ في كلامه لأبرهة صاحب الفيل وتوعُّده إياه بربّ الكعبة، وتحقيق قوله من الله تعالى ونصْرة وعيده بحبس الفيل، وقَتْل أصحابه بالطير الأبابيل وحجارة السِّجِّيل حتى تُركوا كالعَصْف المأكول، لأعجب البرهانات وأسنى الكرامات، وإنما كان ذلك إرهاصًا لنبوّة النبيّ9 وتأسيسًا لما يريد الله به من الكرامة، وليجعل ذلك البهاء متقدِّمًا له ومردودًا عليه، وليكون أشهَر في الآفاق وأجلَّ في صدور الفراعنة والجبابرة والأكاسرة، وأجدَر أن يَقهَر المـُعانِد، ويَكشف غباوة الجاهل...[20]
ولا ننس ما ذكره الشهرستاني أعلاه، وملخصه: ببركة ذلك النور الوارد من صلب إبراهيم إلى إسماعيل8، وتواصله في ذريته إلى أن ظهر بعض الظهور في أسارير عبدالمطّلب؛.. دفع الله تعالى شرَّ أبرهة، وأرسل عليهم طيراً أبابيل.
من ذاك وهذا انبثق موقفه من الحملة العسكرية الكبرى، المعتدية الظالمة، التي خطط لها وقادها أبرهة الحبشي، حتى عدَّ موقف عبد المطلب تجسيداً فريداً لتعلقه بالله تعالى، ولعِظم تسليمه له، وتجلّت فيه حكمته وكياسته وفهمه الواعي للمرحلة، التي مرَّ بها، ومرّت بها الجزيرة العربية، وبالخصوص مكة وأهلها والكعبة المشـرّفة، فكان من أهم أيامه وأخطرها وأقساها على قلبه... وقد تجاوز فعله هذا وموقفه مدارك الكثيرين، ولم يفهمه إلّا من باشر التوحيد قلبه، وأيقن بقدرة الله تعالى!
ولقد أثارت كلمته الآتية استغراب أبرهة ودهشته، وأظهر زهده فيه، وذلك حين راح يواصل حملته وبرفقته الرهبة والطغيان، وآلاف من جنود مجندة، يتقدمهم الفيل كرمز ـ كما يبدو اعتادوا على اصطحابه معهم في غزواتهم ـ نحو الكعبة المباركة، وحسب بعض الأخبار، ذكروا للفيل اسماً وهو (الحاج محمود) ، بعث به النجاشي لأبرهة كي يتقدم حملته، أو أنَّ أبرهة، وكان نصرانيًّا، وهو من الحبشة، استقدمه منها إلى اليمن، و إلى أي مكان آخر، وبالذات في استخدامه في الحملة على مكة، وكان موفّراً له ما يحتاجه من بيئة تناسبه؛ ومن ماء كثير يرافقه وعشب و طعام، وهو أمر ميسّر له، وقادر عليه، فهو حاكم وسلطان، وبالتالي لا غرابة في أن يسوق الفيل في مقدمة حملته، رمزاً لجنده؛ وترويعاً لأهل مكة وتخويفاً لهم، وقد يستعين به في تهديم الكعبة؛ وتخريبها، ولا أظنّه يحتاج إلى أكثر من فيل مع وجود عدد كثير من جنده وآلياتهم، فهو قادم لتخريب هذه البنية المؤلفة من أربعة جدران وسقف لا غير، ويكفيها فيل واحد يمرُّ بجوانبها، حتى أنه لم يأت لتهديم وتكسير ثلاثمائة صنم أو أكثر، أصنام وضعتها يدُ الشرك والبغي يُحيطون بها الكعبة، فيحتاج إلى جهد ووقت وأيدٍ كثيرة، وعدد من الأفيلة.. وعلى ذكر الأصنام زعم بعض أنَّ قصده من حملته هو تهديم الأصنام في محيط الكعبة وإنهاء الشرك، فأي أصنام كان يهدف لتخريبها، وأي شرك كان يسعى لتقويضه انتصاراً لتوحيد الله سبحانه وتعالى، وهو من أهل الثالوث؟! وهو وبدليل كلماته، جاء للكعبة، لا للأصنام ليهدمها ويقتلع الشـرك من مكة، فهو لم يكن بصدد أن يحطم صنماً ولم يصرح بذلك، أو يُنهي شركاً، وبين أيدينا كلُّ شعاراته وقد خلت إلّا من التهديد والوعيد بهدم الكعبة رمز التوحيد والطهارة والحجّ الذي يهدف لإنهائه، وحتى لو أنَّ تهديم الكعبة يقترن به تهديم الأصنام، ـ فوضع الأصنام في الكعبة، وإن يحمل تجاوزاً بلا شك على طهارتها ـ لكنَّ أهل الأصنام هؤلاء كانوا يُدافعون عن الكعبة رمز وجودهم ومصالحهم، ويحرصون عليها وعلى مَن جاء؛ ليؤدّي مناسك الحجّ والعمرة، ويحمونه ويخدمونه أي خدمة! وقد ظهرت الأصنام بعد أن لم تكن، بعد رفع قواعد الكعبة من قبل نبيّين مباركين إبراهيم وإسماعيل8 بقرون، ويقال: إنَّ عمرو بن لُحَيّ الخزاعي، كان سيد مكة في زمن حكم خزاعة لمكة، يعدُّ أول من غيَّر دين إبراهيم الحنيف، والذي كان يقوم على توحيد الله، حيث إنَّه أدخل الأصنام؛ لتعبد من دون الله بالجزيرة العربية، فهو (أبو الأصنام)، هكذا كانت كنيته، التي عرف بها بينهم. وبالتالي لا علاقة لها بوجود الكعبة ونشأتها، نعم وضعوها حولها وبجوارها كما هم وضعوها في بيوتهم وساحاتهم وأسواقهم، واصطحبوها في غزواتهم وأسفارهم، وتبقى فكرة تقربهم وتمسحهم وتوسلهم بها؛ لتقربهم إلى الله زلفى، سواءً هدمت الكعبة أو لا، هدمت الأصنام دليل شركهم أو لا، فالشرك عقيدة قد يُعبّرون عنها بوسائل أُخر، قد لا ينتهي اعتقادهم إلّا بإيجاد بديل، وهذا ما فعله رسول الله9 بدعوته إلى توحيد الله تعالى وإرادته بالعبادة دون غيره...
وقد تنبّه الرازي لهذا، في السؤال السابع: أليس أن كفار قريش كانوا ملأوا الكعبة من الأوثان من قديم الدهر، ولا شك أنَّ ذلك كان أقبح من تخريب جدران الكعبة، فَلِمَ سلط الله العذاب على مَن قصد التخريب، ولم يسلط العذاب على مَن ملأها من الأوثان؟ والجواب: لأنَّ وضع الأوثان فيها تعدّ على حقّ الله تعالى، وتخريبها تعدّ على حق الخلق، ونظيره قاطع الطريق، والباغي والقاتل يقتلون مع أنهم مسلمون، ولا يقتل الشيخ الكبير والأعمى وصاحب الصومعة والمرأة، وإن كانوا كفاراً؛ لأنَّه لا يتعدى ضررهم إلى الخلق..[21]
هذا وإنَّ الكعبة بمسجدها ومعالمه ومناسكه تُعدُّ هي الأعظم من إرث إبراهيم7 بعد التوحيد، والمفروض أنَّ أبرهة وقومه النصارى يؤمنون بها، لا أن يقصد التخلّص منها بمحو وجودها ودورها، يستبدلها بكنيسة وصفت بأنَّها لم يُرَ مِثلها في زمانها بشيء من الأرض! وكأنَّه شيَّدها بغضاً للكعبة وحجيجها. وليبني من خلالها كيانه ويُعزّزه ويُوسّعه، ويُرضي عنه النجاشي. وهو ما يهدف إليه، وقد حدثتنا عنه الأخبار، فالكلام كلّ الكلام الذي جاءت به الرواية التاريخية يدور حول الكعبة لا غير... الإطاحة بالكعبة نفسها لا بما حولها من أصنام وأوثان، يُعدُّ هدف حملته، ترويجاً لكنيسته القُليس، التي شيّدها في صنعاء كنيسة استذل أهل اليمن في بنائها ـ كما يقول السهيلي ـ حتى كان مَن يتأخر عن العمل حتى تطلع الشمس يقطع يده لا محالة، وجعل ينقل إليها من قصر بلقيس رخاماً وأحجاراً وأمتعةً عظيمةً، وركب فيها صلباناً من ذهب وفضة، وجعل فيها منابر من عاج وأبنوس، وجعل ارتفاعها عظيماً جدًّا، واتساعها باهراً. لم يُر مثلها ـ وهو قول ابن إسحاق أعلاه ـ فى زمانها بشىء من الأرض. وكتب إلى النجاشي: إنى قد بنيتُ لك كنيسة لم يُبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنته حتى أصرف إليها حجّ العرب.
حجّ العرب، وهم الذين يتوافدون على الكعبة في مكة المكرمة، وهو الذي لطاما لا فقط صرّح بمبتغاه هذا، بل سعى في أن يُنفّذه ويُنهي الكعبة، ويجعل القُليس قبلةً ومزاراً لجلب آلاف الزائرين لها، وأراد لها أن لا يزاحمها موقع آخر في الجزيرة العربية، وقطعاً لا يزاحمها إلّا الكعبة وروادها من حجيج ومعتمرين، بأن يصرف إليها جموعهم، وبالتالي تكون كنيسته بديلاً عن الكعبة، أو كعبته التي بناها باليمن، وجعل فيها قباباً من ذهب، وأمر أهل مملكته بالحجّ إليها يضاهي بذلك البيت الحرام، وما أن أهينت من قبل بعضٍ حين خرج من بني كنانة رجل وتغوّط فيها ليلاً فأغضبه ذلك. وقيل: أججت رفقة من العرب ناراً، فحملتها الريح فأحرقتها، فحلف ليهدمنَّ الكعبة! فعزَّ على العرب ما خطط وحشّد له، وهم الذين اعتزوا بالإرث، الذي تركه نبيُّ الله إبراهيم7؛ الكعبة وما يتبعها من معالم مقام إبراهيم والحجر الأسود وحجر إسماعيل وزمزم والصفا والمروة.. وقد شكّلت عمقهم التاريخي والعقدي الحنيفي، فوقف ضدَّه ذو نفر وهو من أشراف أهل اليمن وملوكهم ومعه قومه ومن تبعهم من العرب، إلّا أنَّ أبرهة استطاع هزيمتهم، وأخذه أسيراً. واعترضه نفيل بن حبيب الخثعمي ومَن هم تحت إمرته؛ قبيلتان وعرب كثير، فهزمهم أبرهة وأسر نفيلاً.. حتى إذا مرَّ بالطائف خرج إليه مسعود بن مُعَتِّب في رجال من ثقيف، فقالوا له: أيها الملك، إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون، ليس عندنا لك خلاف، وليس بيتنا هذا البيت الذي تريد ـ يعنون اللات ـ إنما تريد البيت الذي بمكة، نحن نبعث معك من يَدُلُّك عليه فتجاوز عنهم. وبعثوا معه أبا رِغال، حتى أنزله المغمِّس، فلما أنزله به مات أبورِغال هناك، فَرجَمت قبره العرب، فهو القبر الذي يرجُم الناسُ بالمغمس، وفيه يقول الشاعر:
وأرجُمُ قَبرَه في كل عامٍ
كرجْم الناس قبر أبي رِغالِ
ثمَّ راح هو أو مَن أرسله من قواده يسوق أموال تهامة من قريش وكنانة وهذيل. واستاق معها إبلاً لأهل مكة، ومن بينها إبل عبد المطّلب... وقد تسامع العرب وأهل مكة خاصة بهذا كلّه وبقصده، وانتصاراته على مَن أراد صدَّه ومنعه عن مهمته في التوجّه نحو الكعبة لتخريبها؛ وهنا عرفوا ولعلّهم أيقنوا أن لا طاقة لهم بقتاله، وراحوا ينظرون إلى ما يراه ويفعله سيدُهم عبد المطَّلب..[22]
رسول أبرهة:
وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة، وقال له: سل عن سيد أهل هذا البلد وشريفها، ثم قل له: إنَّ الملك يقول لك: إني لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب، فلا حاجة لي بدمائكم، فإن هو لم يرد حربي فأتني به. فلما دخل حناطة مكة، سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة، فقال له عبد المطّلب: والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم7، فإن يمنعه منه، فهو بيته وحرمه، وإن يخل بينه وبينه، فوالله ما عندنا دفع عنه، فقال له حناطة: فانطلق معي إليه، فإنَّه قد أمرني أن آتيه بك. فانطلق معه عبد المطّلب ـ ومعه بعض بنيه ـ حتى أتى العسكر، فسأل عن ذي نفر، وكان له صديقاً، حتى دخل عليه وهو في محبسه، فقال له: يا ذا نفر، هل عندك من غناء فيما نزل بنا؟ فقال له ذو نفر: وما غناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غدواً أو عشيًّا! ما عندي غناء في شیئ مما نزل بك، إلّا أنَّ أنيساً سائس الفيل صديق لي، وسأرسل إليه فأوصيه بك، وأعظم عليه حقّك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك، فتكلمه بما بدا لك، ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك، فقال: حسبي، فبعث ذو نفر إلى أنيس، فقال له: إنَّ عبدالمطّلب سيد قريش، وصاحب عير مكة، يطعم الناس بالسهل، والوحوش في رؤوس الجبال، وقد أصاب له الملك مئتي بعير، فاستأذن له عليه، وانفعه عنده بما استطعت، فقال: أفعل. فكلم أنيس أبرهة، فقال له: أيها الملك، هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك، وهو صاحب عير مكة، وهو يطعم الناس في السهل، والوحوش في رؤوس الجبال، فأذن له عليك، فيكلمك في حاجته، وأحسن إليه. فأذن له أبرهة.
قال ابن إسحاق : وكان عبد المطّلب أوسم الناس وأجملهم وأعظمهم. فلما رآه أبرهة أجلَّه وأعظمه، وأكرمه عن أن يجلسه تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملكه. فنزل أبرهة عن سريره، فجلس على بساطه وأجلسه معه إلى جانبه. ثم قال لترجمانه: قل له: ما حاجتك؟ فقال: حاجتي أن يرد عليَّ الملك مائتي بعير أصابها لي. فلـمّا قال ذلك، قال أبرهة لترجمانه؛ قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثمّ قد زهدتُ فيك حين كلمتني !أتكلمني في مئتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك؛ قد جئتُ لهدمه لا تكلمني فيه؟ وهنا ذكرت أخبار التاريخ وكذا الروايات أجوبةً عديدةً لعبد المطّلب، تدلُّ على أنَّه حكيمٌ رصينٌ في أقواله وأفعاله، لم يأبه بما قاله أبرهة حسب بعض الروايات من أنّه قال: جئتُ إلى بيته الذي يعبده لأهدمه، و هو يسألني إطلاق إبله! أما لو سألني الإمساك عن هدمه لفعلت. لا أدري كيف له الإمساك عما أكّد عليه، وحشد له الآلاف، وسبق أن عرض عليه عبد المطّلب ثلث أموال تهامة ليرجع، فأبى وعبأ جيشه وقدّم الفيل، حين بلغ المغمس على أشراف مكة؟! إنها مجرّد مزاعم، مجرّد مزحة، واجهها عبد المطلب بحكمته ووعيه، وبقلب مطمئن بقدرة الله تعالى، وبابتسامة الواثق بربّه سبحانه، الساخر من أبرهة وجنده وفيله، وعدم مبالاته بما يدّعي، فكانت كلماته ينطق بها لسان صدق:
إني أنا ربُّ الإبل. وإن للبيت ربًّا سيمنعه !
إني أنا ربُّ الإبل، وإن للبيت ربًّا يحميه ويمنعه !
أنا ربُّ هذه الإبل، أما البيت فله ربٌّ يحميه!
ويردُّ عليه أبرهة: ما كان ليمتنع مني. ويجيبه عبد المطَّلب بكلّ ثقة: أنت وذاك اردد إليّ إبلي... يا لها من كلمات عظيمة نافعة، تُدلهم على ما ينجيهم لو كانوا يفقهون! قالها بكلّ وثوق ويقين بقدرة عزيز مقتدر على من لم يُرد فقط تخريب أو تهديم الكعبة كبناء، وإنما كان يسعى بكلّ قوّة إلى إنهاء المشـروع الربّاني، الذي شيده إبراهيم وإسماعيل8، المتمثّل في هذه البقعة المباركة، واستبداله بآخر حيث يحكم ويتسلط، لقد أراد لا فقط بأن ينقضها حجراً حجراً، ويسلبُها حُلِيَّها، ويجردها من كسوتها، ويستخرج كنزها، ويكون ذلك نهاية الكعبة، ولا تعمر بعد ذلك أبداً، بل يجعلها ومشـروعها التوحيدي الإبراهيمي أثراً بعد عين، فيُخرجها من وعي الناس وعقيدتهم وتاريخهم ووجدانهم، ومن كونها أرض بركة وسلام وأمان.. إضافةً إلى ما يترتب على ذلك من القضاء على زعامة مكة لقريش ومَن حولها من القبائل، ومن إطفاء لجميع ما اُنشئ من مشاريع في الجزيرة العربية، وأهمها مشـروع إيلاف قريش، وما يتضمنه من ثمار اجتماعية وتاريخية وتجارية وأمنية.. كان لهاشم والد عبد المطّلب الدور الأساس في تأسيسه، أو في تطويره إن صحَّ أنَّ جدَّه قصي بن كلاب بثَّ بذرته الأولى، حتى أنَّ أهمية هذا المشروع، وقد غيَّر وجه تلك المرحلة من تاريخ الجزيرة العربية؛ لعلّ هذه الثمار والأهمية تظهر حينما نلتفت إلى أنَّ هناك ترابطاً، تحدّث عنه المفسرون وأعلام الفقه والحديث، بين سورتي الفيل وإيلاف قريش، بأنَّ ما حلَّ بأصحاب الفيل لأجل إيلاف قريش: (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ). (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ). وقد تحدثنا عنه في الحلقة السابقة.
وفرق كبير بين من يأتيها بهذا القصد السيء الخطير، ويعمل له ويخطط ويحشد له الآلاف عدداً وعدَّةً؛ وبين ما يُصيبها من سيول وغرق واحتراق، وضعف في جدرانها وأركانها فتهدمها، ويُعاد بناؤها. فالبيت انهدم بعد إبراهيم7 فبنته العمالقة، ثم انهدم فبنته جرهم، ثم انهدم فبناه قصي بناءً لم يُبن مثله.. أو بين من يقصدها من بشـر سيّئين؛ ما أجرأهم على الله عزَّوجلَّ! سجل لهم التاريخ اعتداءات وتجاوزات ليست قليلةً على حرمتها، وعلى روّادها من حجّاج ومعتمرين عبر العصـور لا لتهديد أو تهديم الكعبة بذاتها، فتُلغى رمزيتها وما تمثله من أثر روحي كبير، ومشـروع عبادي عظيم، يتمثّل بالحجّ الابراهيمي، الذي اختارته السماء للناس، وللعبّاد منهم، عبر أذانها المبارك في خطابها لإبراهيم7: (وَأذِّن فِي النَّاسِ بِالْـحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ).[23]
بل لضرب مّن احتمى بالكعبة بالمنجنيق؛ عبد الله بن الزبير المتمركز في المسجد الحرام والمتحصّن به، حين سيّر يزيد جيشاً إلى مكة، فحاصروا ابن الزبير في المسجد، وقاتلوه ورموه بالمنجنيق، وعن هذه الحادثة يقول الذهبي:.. لما فعل يزيد بأهل المدينة ما فعل مع شربه الخمر وإتيانه المنكرات اشتدَّ عليه الناس، وخرج عليه غير واحد، ولم يبارك الله في عمره، وسار جيش الحرّة إلى مكة؛ لقتال ابن الزبير، فمات أمير الجيش بالطريق، فاستخلف عليهم أميراً، وأتوا مكة، فحاصروا ابن الزبير وقاتلوه، ورموه بالمنجنيق، ذلك في صفر سنة أربع وستين، واحترقت من شرارة نيرانهم أستار الكعبة وسقفها وقرنا الكبش الذي فدى الله به إسماعيل وكان في السقف، وأهلك الله يزيد في نصف شهر ربيع الأول من هذا العام، فجاء الخبر بوفاته والقتال مستمر،...
وهذا ابن كثير يتحدث عن الحـَجّاج وما قام به في خلافة عبد الملك بن مروان، سنة 73 هـ : لما استهلت هذه السنة استهلت وأهل الشام محاصرون أهل مكة، وقد نصب الحـَجّاج المنجنيق على مكة؛ ليحصر أهلها حتى يخرجوا إلى الأمان والطاعة لعبد الملك، وكان مع الـحَجّاج الحبشة، فجعلوا يرمون بالمنجنيق، فقتلوا خلقاً كثيراً، وكان معه خمس مجانيق، فألحَّ عليها بالرمي من كلّ مكان، وحبس عنهم الميرة والماء، فكانوا يشربون من ماء زمزم، وجعلت الحجارة تقع في الكعبة...[24]
وإن كان فعلهم هذا، وهو فعل الأشرار المتسلطين، يُعدُّ تعدّياً على حدود الله تعالى، ولا يخلو من أعظم إساءة لقدسية الكعبة وأمنها، وأبشع إنتهاك لحرمتها، ولا ننسى ما قام به القرامطة سنة 317 هجرية وما أقبحه وأشنعه من جرمٍ؛ استحلالهم لحرمة الكعبة، واستباحتهم لحجيجها، واستيلائهم على الحجر الأسود مدّة اثنتين وعشرين سنة قبل أن يُعاد إلى مكانه في الكعبة..
ولكن يبدو أنَّ البون بين ما يريده أبرهة وما كان يصبو إليه من عمله وبين الحادثين المذكورين، وكذا الثالث يبقى شاسعاً وكبيراً. ولهذا ـ والله أعلم ـ نزل عليهم العذاب، فجعلهم كعصف مأكول كما يأتينا في بيان سورة الفيل.
إنَّ عبد المطَّلب ـ وقد وصلته أخبار الحملة ومَن تصدى لها؛ ذو نفر الحميري وهو من أشراف اليمن وملوكهم مع قومه ومن أجابه من العرب، وبعده نُفيل بن حبيب الخثعمي في قبيلتي خثعم: شَهران وناهِس، ومن تبعه من قبائل العرب، ولم يُفلحا، وحجم الأموال التي قدمت له، كالتي هي من قبل يعمر بن نُفاثة بن كنانة، وهو يومئذٍ سيِّد بني كنانة، وخويلِد بن واثلة الهـُذَليّ وهو يومئذٍ سيد هُذَيل، فقد عرضوا على أبرهة ثلث أموال تِهامة، على أن يرجع عنهم، ولا يهدم البيت؛ لكي تثنيه عما عزم عليه، فأبي عليهم ولم يستجب ـ كان متيقناً من أنَّ أبرهة جاء عازماً ومصرّاً على ما يريد، وأنَّه لا يريد العودة من حيث أتى، حتى يُكمل هدفه وهو تخريب الكعبة وإنهاء وجودها، ولهذا لم يكلمه ولم يفتح ملف حملته على الكعبة، وكأنَّه ابتسم ابتسامة الواثق بالله تعالى وهو يسمع أو تناها إليه، أنَّ أبرهة قال: أما لو سألني الإمساك عن هدمه لفعلت. هذا الذي زعمتم أنه عظيم قريش وذكرتم عقله، يدع أن يسألني أن انصـرف عن بيته الذي يعبده، أما لو سألني أن أنصرف عن هذا لانصرفت له عنه.
لقد حقن عبد المطَّلب دماء قومه بحكمته، حين أحال منع البيت وحمايته إلى ربِّه، وفي هذا تهديد عظيم وتحذير خطير لأبرهة لو كان يشعر، واكتفى باستغرابه ودهشته من طلب شيخ قريش، وأظهر زهده فيه، وعدم مبالاته بما قال، ولا غرابة في هذا، وقد تجاوز تفسير فعل عبد المطّلب وما قاله مدارك الكثيرين قديماً وحديثاً، ولم يفهمه إلّا من باشر التوحيد قلبه، وأيقن بقدرة الله تعالى!
لم يتزحزح أبرهة عما جاء من أجله، وبقي على موقفه، لكنه قبل أن يواصل حملته نحو الكعبة المباركة، وبرفقته آلاف من جنود مجندة؛ ستين ألفاً أو يزيدون، يتقدمهم فيلٌ، وصفوه بأنَّه كان «فيلاً لم يُرَ مثله في الأرض عظماً وجسماً وقوةً».. يزعمون أنَّ به تحسم المعركة لصالحهم، ويتمُّ به انتصارهم؛ لما يتركه وجود الفيل ومن خلفه العدد الهائل من الجنود من ترهيب ورعب لأعدائهم والمعارضين لحملتهم وأهدافها. ردَّ عليه إبله، ثم انصرف عبد المطّلب إلى قريش فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة، والتحرز في شعف الجبال. وبعد أن أمر قريشاً بالخروج من مكة إلى رؤوس الجبال والشعاب؛ للتحرز فيها تخوفاً عليهم من معرة الجيش، واطمأنَّ عليهم، قام عند الكعبة ممسكاً بحلقة بابها، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده!
وظلَّ هكذا، وهو آخذ بحلقة باب الكعبة، يُنشد أبياته وهم جميعاً يسمعون ويردّدون معه حتى غدت أبياتاً، وإن تعدّدت واختلفت مفرداتها قليلاً من مصدر لآخر، إلّا أنَّها صارت معروفةً خالدةً :
يا رب لا أرجو لهم سواكا
يا رب فامنع منهم حماكا
إنَّ عدو البيت مَن عاداكا
امنعهم أن يُخربوا قراكا
ثم قال أيضاً:
لَاهُمَّ إنَّ العبد يمنع
رحله فامنع حلالك
أو:
يَا رَبِّ إِنَّ الْـمَرْءَ يَمْنَعُ
رَحْلَهُ فَامْنَعْ حلالك
لَا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُمْ
وَمِحَالُهُمْ عَدْوًا مِحَالَكْ
إِنْ كُنْتَ تَارِكَهُمْ
وَقِبْلَتَنَا فَأْمُرْ مَا بَدَا لَكْ
وَلَئِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّهُ
أمْرٌ يُتِمُّ بِهِ فِعَالَكْ
جروا جموع بلادهم
والفيل كي يسبوا عيالك
عمدوا حماك بكيدهم
جهلاً وما رقبوا جلالك.
وقال أيضاً :
وكنت إذا أتى باغ بسلم
نرجي أن تكون لنا كذلك
فولّوا لم ينالوا غير خزي
وكان الحين يهلكهم هنالك
ولم أسمع بأرجس من رجال
أرادوا العزَّ فانتهكوا حرامك.
ثُمَّ أرْسَلَ عَبْدُ الْـمُطَّلِبِ حَلْقَةَ بَابِ الْكَعْبَةِ، وَانْطَلَقَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى شَعَفِ الْجِبَالِ، فَتَحَرَّزُوا فِيهَا يَنْتَظِرُونَ مَا أبْرَهَةُ فَاعِلٌ بِمَكَّةَ إِذَا دَخَلَهَا !
وَقَالَ عَبْدُ الْـمُطَّلِبِ أيْضًا:
قُلْتُ وَالْأَشْرَمُ تَرْدِي خَيْلُهُ
إِنَّ ذَا الْأَشْرَمَ غَرَّ بِالْحَرَمْ
كَادَهُ تُبَّعُ فِيمَا جَنَّدَتْ
حِمْيَرٌ وَالْحَيُّ مِنْ آلِ قِدَمْ
فَانْثَنَى خَارِجًا آهٍ ِوَفِي أَوْدَاجِهِ
حَاجِرٌ أَمْسَكَ مِنْهُ بِالْكَظَمْ
نَحْنُ أَهْلُ اللَّهِ فِي بَلْدَتِهِ
لَمْ يَزَلْ ذَاكَ عَهْدَ إِبْرَاهِيمْ
نَعْبُدُ اللَهَ وَفِينَا شِيمَةٌ
صِلَةُ الْقُرْبَى وَإِيفَاءُ الذِّمَمْ
إِنَّ لِلْبَيْتِ لَرَبًّا مَانِعًا
مَنْ يُرِدْهُ بِأَثَامٍ يُصْطَلَمْ.
وبقي عبد المطَّلب مرابطاً في البيت رافضاً الخروج منه حتى يقضي الله تعالى أمراً كان مفعولاً، يرافقه يقين تام وإيمان مطلق بالله تعالى، وثقة عالية أنّه عزَّوجلَّ يحمي الكعبة من عدوّها القادم لانتهاك حرمتها وتخريبها وإماتت وظيفتها، ولا يخذله وهو يدعو ربَّه ويتضرّع إليه حتى استجاب له ربُّه، فوقع لأبرهة وجيشه ما غرّه عنه طغيانه وجبروته، وتجاهله عن معرفة جوهر ما يهدف إليه شيخ قريش وسيدها من كلمات سمعها أبرهة ومَن حوله، فأثارت استغرابه واستهجانه...![25]
و روائيًّا:
لا تختلف الروايات كثيراً عمّا تحدّث به أهل مكة قبل البعثة؛ بخصوص حملة أبرهة، وهي كثيرة في مصادر التاريخ والتفسير، جئنا ببعضها في هذه المقالة، ومنها: أخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل عن عثمان بن المغيرة بن الأخنس قال: كان من حديث أصحاب الفيل أنَّ أبرهة الأشرم الحبشي كان ملك اليمن... هلكوا جميعاً، فخرج عبد المطّلب وأصحابه، فأخذوا أموالهم، وقال عبد المطّلب شعراً في المعنى:
أنت منعت الجيش والأفيالا
وقد رعوا بمكة الأفيالا
وقد خشينا منهم القتالا
وكلّ أمر منهم معضالا
شكراً وحمداً لك ذا الجلالا.
ومنها رواية وهب بن منبه أنَّه قال: أبرهة الاشرم: أول ملك من الحبشة افتتح اليمن وملكها ـ وهو الذي أراد هدم البيت ـ فسار إليه ومعه الفيل، فأهلك الله جيشه بطير أبابيل، ووقعت في جسده الآكلة، فحمل إلى اليمن فهلك بها. وفي ذلك العصـر ولد النبيُّ9. وهناك غيرها، ولكنّا نكتفي هنا بنماذج مما روي عن أهل البيت: ... عن أبان بن تغلب، قال: قال أبوعبد الله7: لما أتى صاحب الحبشة بالخيل، ومعهم الفيل؛ ليهدم البيت، مروا بإبل لعبد المطّلب فساقوها، فبلغ ذلك عبد المطّلب، فأتى صاحب الحبشة، فدخل الآذن، فقال: هذا عبد المطّلب بن هاشم، قال: وما يشاء؟ قال الترجمان: جاء في إبل له ساقوها يسألك ردّها. فقال ملك الحبشة لأصحابه: هذا رئيس قوم وزعيمهم! جئتُ إلى بيته الذي يعبده لأهدمه، وهو يسألني إطلاق إبله! أما لو سألني الإمساك عن هدمه لفعلت، ردّوا عليه إبله. فقال عبد المطّلب لترجمانه: ما قال الملك؟ فأخبره، فقال عبد المطّلب: أنا ربُّ الإبل، ولهذا البيت ربٌّ يمنعه، فردّت عليه إبله. وانصـرف عبد المطّلب نحو منزله، فمرَّ بالفيل في منصرفه، فقال للفيل: يا محمود، فحرّك الفيل رأسه. فقال له: أتدري لِمَ جاءوا بك؟ فقال الفيل برأسه: لا، فقال عبد المطّلب: جاءوا بك لتهدم بيت ربّك، أفتراك فاعل ذلك؟ فقال برأسه: لا! فانصرف عبد المطّلب إلى منزله، فلما أصبحوا غدوا به لدخول الحرم، فأبى وامتنع عليهم، فقال عبد المطّلب لبعض مواليه عند ذلك: اعل الجبل، فانظر ترى شيئا؟ فقال: أرى سواداً من قبل البحر. فقال له: يصيبه بصرك أجمع؟ فقال له: لا، وأوشك أن يصيب، فلما أن قرب قال: هو طير كثير ولا أعرفه، يحمل كلّ طير في منقاره حصاة مثل حصاة الحذف أو دون حصاة الحذف. فقال عبد المطّلب: و ربّ عبد المطلب ما تريد إلّا القوم، حتى لما صارت فوق رؤوسهم أجمع ألقت الحصاة، فوقعت كلّ حصاة على هامة رجل، فخرجت من دبره فقتلته، فما انفلت منهم إلّا رجل واحد يخبر الناس، فلما أن أخبرهم ألقت عليه حصاة فقتلته. و عنه... عن أبي عبد الله7، قال: لما أقبل صاحب الحبشة بالفيل يريد هدم الكعبة، مروا بإبل لعبد المطّلب، فاستاقوها، فتوجّه عبد المطّلب إلى صاحبهم يسأله ردَّ إبله عليه، فاستأذن عليه فأذن له، و قيل له: إنَّ هذا شريف قريش ـ أو عظيم قريش ـ و هو رجل له عقل ومروءة، فأكرمه وأدناه، ثم قال لترجمانه: سله: ما حاجتك؟
فقال له: إنَّ أصحابك مروا بإبل [لي] فاستاقوها فأحببت أن تردّها عليَّ !
قال: فتعجب من سؤاله إياه ردّ الإبل. وقال: هذا الذي زعمتم أنه عظيم قريش وذكرتم عقله، يدع أن يسألني أن انصرف عن بيته الذي يعبده، أما لو سألني أن أنصرف عن هذا لانصـرفت له عنه، فأخبره الترجمان بمقالة الملك، فقال له عبد المطّلب: إنَّ لذلك البيت ربًّا يمنعه، وإنما سألتك ردّ إبلي لحاجتي إليها، فأمر بردّها عليه. فمضى عبد المطّلب حتى لقي الفيل على طرف الحرم، فقال له: محمود...، وجاءوا بالفيل ليدخل الحرم، فلما انتهى إلى طرف الحرم امتنع من الدخول فضـربوه فامتنع من الدخول، فأداروا به نواحي الحرم كلّها، كلّ ذلك يمتنع عليهم، فلم يدخل، فبعث الله عليهم الطير كالخطاطيف، في مناقيرها حجر كالعدسة أو نحوها، ثم تحاذي برأس الرجل ثم ترسلها على رأسه فتخرج من دبره، حتى لم يبق منهم إلّا رجل هرب فجعل يحدث الناس بما رأى إذ طلع عليه طائر منها فرفع رأسه، فقال: هذا الطير منها، وجاء الطير حتى حاذى برأسه، ثم ألقاها عليه فخرجت من دبره فمات... عن أبي عبد الله جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدّه:، قال: «لما قصد أبرهة بن الصباح ملك الحبشة؛ ليهدم البيت، تسرعت الحبشة، فأغاروا عليها، فأخذوا سرحاً لعبد المطّلب بن هاشم، فجاء عبد المطّلب إلى الملك، فاستأذن عليه، فأذن له وهو في قبة ديباج على سرير له، فسلم عليه، فرد أبرهة السلام، وجعل ينظر في وجهه، فراقه حسنه و جماله و هيئته فقال له: هل كان في آبائك مثل هذا النور الذي أراه لك والجمال؟ قال: نعم أيها الملك، كلّ آبائي كان لهم هذا الجمال و النور و البهاء. فقال له أبرهة: لقد فقتم [الملوك] فخراً و شرفاً، و يحقّ لك أن تكون سيد قومك،
ثم أجلسه معه على سريره، و قال لسائس فيله الأعظم ـ و كان فيلاً أبيض عظيم الخلق، له نابان مرصعان بأنواع الدرّ و الجواهر، و كان الملك يباهي به ملوك الأرض ـ ائتني به، فجاء به سائسه، و قد زين بكلّ زينة حسنة، فحين قابل وجه عبد المطلب سجد له، و لم يكن يسجد لملكه، و أطلق الله لسانه بالعربية، فسلّم على عبد المطّلب، فلما رأى الملك ذلك ارتاع له و ظنه سحراً، فقال: ردوا الفيل إلى مكانه. ثم قال لعبد المطّلب: فيم جئت؟ فقد بلغني سخاؤك وكرمك وفضلك، ورأيت من هيئتك وجمالك و جلالك ما يقتضي أن أنظر في حاجتك، فسلني ما شئت. و هو يرى أن يسأله في الرجوع عن مكة، فقال له عبد المطّلب: إنَّ أصحابك غدوا على سرح لي فذهبوا به، فمرهم بردّه عليَّ. قال: فتغيظ الحبشي من ذلك، وقال لعبد المطلب: لقد سقطت من عيني، جئتني تسألني في سرحك، و أنا قد جئتُ لهدم شرفك وشرف قومك، و مكرمتكم التي تتميزون بها من كلّ جيل، وهو البيت الذي يحجّ إليه من كلّ صقع في الأرض، فتركت مسألتي في ذلك وسألتني في سرحك !فقال له عبد المطلب: لستُ بربّ البيت الذي قصدت لهدمه، وأنا ربّ سرحي الذي أخذه أصحابك، فجئتُ أسألك فيما أنا ربُّه، وللبيت ربٌّ هو أمنع له من الخلق كلهم، و أولى [به] منهم!
فقال الملك: ردّوا إليه سرحه، فردّوه إليه و انصـرف إلى مكة، و أتبعه الملك بالفيل الأعظم مع الجيش لهدم البيت، فكانوا إذا حملوه على دخول الحرم أناخ، وإذا تركوه رجع مهرولاً. فقال عبد المطّلب لغلمانه: ادعوا لي ابني، فجيء بالعباس، فقال: ليس هذا أريد، ادعوا لي ابني، فجيء بأبي طالب، فقال: ليس هذا أريد، ادعوا لي ابني، فجيء بعبد الله أبي النبيّ9، فلما أقبل إليه، قال: اذهب يا بني حتى تصعد أبا قبيس، ثم اضرب ببصرك ناحية البحر، فانظر أي شيء يجيء من هناك، و خبرني به.قال: فصعد عبد الله أبا قبيس، فما لبث أن جاء طير أبابيل مثل السيل و الليل، فسقط على أبي قبيس، ثم صار إلى البيت، فطاف [به] سبعاً، ثم صار إلى الصفا والمروة فطاف بهما سبعاً، فجاء عبد الله إلى أبيه فأخبره الخبر، فقال: انظر يا بني ما يكون من أمرها بعد فأخبرني به، فنظرها فإذا هي قد أخذت نحو عسكر الحبشة ، فأخبر عبد المطّلب بذلك، فخرج عبد المطّلب وهو يقول: يا أهل مكة، اخرجوا إلى العسكر، فخذوا غنائمكم! قال: فأتوا العسكر، و هم أمثال الخشب النخرة، و ليس من الطير إلّا ما معه ثلاثة أحجار، في منقاره و رجليه، يقتل بكلّ حصاة منها واحداً من القوم، فلما أتوا على جميعهم انصرف الطير، و لم ير قبل ذلك و لا بعده، فلما هلك القوم بأجمعهم جاء عبد المطّلب إلى البيت فتعلق بأستاره، وقال:
يا حابس الفيل بذي المغمس
حبسته كأنه مكوكس
في مجلس تزهق فيه الأنفس.
فانصرف و هو يقول في فرار قريش وجزعهم من الحبشة:
طارت قريش إذ رأت خميسا
فظلت فردا لا أرى أنيسا
و لا أحسّ منهم حسيسا
إلّا أخا لي ماجداً نفيسا
مسوداً في أهله رئيسا.[26]
فبرك الفيل»!
دون مكة لا يدخلها، وجهدوا في حمله على اقتحامها فلم يفلحوا. وذلك أنَّه «لما أصبح أبرهة، تهيأ لدخول مكة وهيأ جيشه»، فلما وجهّوا الفيل نحو مكة، برك، وضربوا الفيل ليقوم، فأبى، فضـربوا في رأسه بالطبرزين، وأدخلوا محاجن لهم في مراقه، فنزعوه بها ليقوم فأبى، فوجّهوه راجعاً إلى اليمن، فقام يهرول، ووجّهوه الى الشام، ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى المشـرق، ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى مكة فبرك.. يوجّهونه نحو مكة لما كان قريباً منها فيبرك، ويوجّهونه نحو اليمن والشام فيسرع.. ويُقال كما في خبرٍ أنَّ أحدهم، أو نُفَيْل بن حبيب، قام إلى جنب الفيل، ثم أخذ بأُذنه فقال له: ابرك محمود، وارجع راشداً من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام. ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل.
وعن أهل البيت: وعن غيرهم أنَّ الذي كلّم الفيل هو عبد المطّلب بعد عودته من لقائه بأبرهة: وثب إلى الفيل، فمسح عليه، وقال له: أبرك يا محمود، وارجع راشداً من حيث أتيت، فإنَّك في بيت الله الحرام! فبرك الفيل ولم يتحرك باتجاه الكعبة. وفي رواية عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله7، ملخّصها..: أنَّ عبد المطّلب مرَّ بالفيل في منصرفه، فقال للفيل: يا محمود، فحرك الفيل رأسه. فقال له: أتدري لِمَ جاءوا بك؟ فقال الفيل برأسه: لا، فقال عبد المطّلب: جاءوا بك لتهدم بيت ربّك، أفتراك فاعل ذلك؟ فقال برأسه: لا،.. فلما أصبحوا غدوا به لدخول الحرم، فأبى وامتنع عليهم.
وفي قولٍ:.. حين جاءوا بالفيل؛ ليهدموا به الكعبة، فلما أدنوه من باب المسجد، قال له عبد المطّلب: أتدري أين يؤم بك؟ فقال برأسه: لا، قال: أتوا بك لتهدم كعبة الله، أتفعل ذلك؟ فقال برأسه: لا، فجهدت به الحبشة ليدخل المسجد فأبى، فحملوا عليه بالسيوف وقطعوه!
سيد قطب: وهذه الحادثة ثابتة بقول رسول الله9 يوم الحديبية حين بركت ناقته القصواء دون مكة، فقالوا: خلأت القصواء (أي حرنت)! فقال رسول الله9: «ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل»!
وفي الصحيحين أنَّ رسول الله9 قال يوم فتح مكة: «إنَّ الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنَّه قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فليبلغ الشاهد الغائب»! فهي حادثة ثابتة أنَّه قد حبس الفيل عن مكة في يوم الفيل.[27]
لقد حبسُ الفيل عن مكة في يوم الفيل، وما وقع بأتباعه من عذاب في الدنيا تمهيداً لخزي الآخرة يُعدُّ حدثاً تأريخيًّا واقعاً وثابتاً في أخبار أهل مكة ومَن هم حولها، ومن بعدهم في كتب المؤرخين العرب والمسلمين، وقد كثرت وتظافرت، ولعلّ ما ورد فيها من أخبار وروايات فاقت كثيراً ما جاء عن وقائع أخرى، وقائع نتحدث عنها في تاريخنا، ونستشهد بها في كتاباتنا ومحاضراتنا وخطبنا، ويكفي هذا في ثبوتها حتى وإن لم يذكرها غيرهم، فالآخرون لم يدوّنوا كثيراً من وقائع هذه البلاد وأيامها ومنها الغزوات والمعارك، تلك التي دامت سنين طويلة بين قبائلها وما تركته من قتل ودمار..، وهو ما تعارفت عليه الأُمم أنَّها في الأعم الأغلب لا تهتم إلّا بما يقع لها وعليها وفي ساحتها، أو لا تعتني بما يحدث لغيرها كعنايتها بما يحدث لها، فضلاً عن صعوبة أو انقطاع التواصل بينها؛ لعدم توفّر وسائل الاتصال وملاحقة الوقائع والحوادث هنا وهناك والبحث عن أخبارها، إلى غيرذلك من الأسباب.
وقد يكون عدم تدوينهم لها وهم الروم إن كانوا فعلاً هم المحرّضون، ومَن دفع إليها وشجّع أبرهة، يعود لعدم رغبتهم في ذكرها في تاريخهم ومخطوطاتهم وجدارياتهم وآثارهم؛ لأنَها هزيمة منكرة حلّت بهم، ولوكانت نصـراً لهم لدوّنوها وتفاخروا بها وعلوا شأنها وشأنهم بها، لكنها فشل وهزيمة لحقتهم، تركوها دون ذكر، وتستّروا عليها؛ فلعلّها تُنسى، فلا تذكرها الأجيال القادمة.
هذا إذا فرضنا صدق البحث ونزاهته، وأنَّ الباحثين من علماء الآثار في تلك الآثار قد استوفوها جميعاً، وهو أمر لم يقله أحدٌ منهم، فقد يكتشفون غيرها مستقبلاً، مع تطور آلاتهم. فهكذا بحوث من شأنها أن تتكامل يوماً بعد آخر، ولا تقف في نتائجها عند حدٍّ وكفى.
فيما اكتفى تاريخ العرب والمسلمين بما ذكرها تاريخ أهل مكة وأخبارهم؛ لسعادتهم بالنصر الذي تحقق على المعتدين، ولرغبتهم في نشرها حتى غدت من مفاخر تأريخهم ووجودهم، وهذا قد يكون مصداقاً لما يقال: إنَّ التاريخ يكتبه المنتصـر، فيما أولئك هم مصداق للمهزوم، فلا يكتب هزيمته..
[1]. سورة النساء : 36.
[2] . آل عمران : 95 .
[3]. إعراب القرآن وبيانه، الدرويش، سورة الشعراء : 218-219 ؛ الدر المصون، السمين الحلبي (ت 756 هـ)، الآيتان ؛ وانظر بحارالأنوار للعلامة المجلسـي 15 : 118 ، الأولى: أنَّ آباء نبينا ما كانوا كفاراً، ويدلّ عليه وجوه: منها: قوله تعالى: الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين... ؛ تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي ؛ تفسير معالم التنزيل، البغوي (ت 516 هـ) ؛ تفسير زاد المسير في علم التفسير، ابن الجوزي (ت 597 هـ) ؛ تفسير مفاتيح الغيب، التفسير الكبير: الرازي (ت 606 هـ) ؛ تفسير الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (ت671 هـ) ؛ تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل، الخازن (ت 725 هـ) ؛ تفسير البحر المحيط، أبوحيان (ت 754 هـ) ؛ تفسير فتح القدير، الشوكاني (ت1250هـ) ، وانظر تفسير البرهان في تفسير القرآن ؛ هاشم الحسيني البحراني (ت 1107هـ).
[4]. تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن، الطوسي (ت 460 هـ) ؛ تفسير غرائب القرآن و رغائب الفرقان، القمي النيسابوري (ت 728 هـ) ؛ تفسير روح المعاني، الآلوسي (ت 1270 هـ) : الآية.
[5] . سورة إبراهيم : 35 .
[6]. مجمع البيان في تفسير القرآن، الطبرسي (ت 548 هـ) جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري، سورة إبراهيم : 35.
[7]. سورة النحل : 123.
[8]. سورة الإسراء : 15.
[9]. سورة المائدة : 19.
[10]. انظر تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي )ت 548 هـ) ؛ وتفسير مفاتيح الغيب، التفسير الكبير، الرازي (ت 606 هـ) : الآية ؛ وغيرهما من التفاسير في المراد من الفترة، الآية: 15الإسراء ؛ تفسير أضواء البيان في تفسير القرآن، الشنقيطي (ت 1393 هـ).
[11]. انظر كتاب الملل والنحل للشهرستاني) ت 548 هـ) 3: 83،85 الفصل الثاني: المحصلة من العرب، 1: علومهم. وسنذكر هذا وغيره من أخبار في الاستسقاء كيوم من أيام عبد المطّلب.
[12]. انظر رسائل الشريف المرتضـى 3: 223، 224؛ كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق : 174 الباب 12 الرقم 32 ؛ الغدير للشيخ الأميني : 7 387صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، حديث رقم: 3042 ؛ وانظر فتح الباري شرح صحيح البخاري ، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني 7 : 626 رقم 4061 ؛ تاريخ اليعقوبي : 1363؛ كتاب الكافي للشيخ الكليني 1: 447؛ بحار الأنوار، العلامة المجلسي ١٥ : ١٥٧.
[13] . سورة النساء : 22.
[14] . سورة الانفال: 41.
[15] . سورة التوبة : 9 1.
[16]. مجمع البيان للشيخ الطبرسي : الآية ؛ وهو ما ذكره اليعقوبي في تاريخه 1 : 3632 : 10 -11 ، وعدد من المؤرخين ؛ وانظر المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام للدكتور جواد علي 5 : 59 . وحنفاء ؛ ورسائل المرتضى للشريف المرتضى 3 : 224؛ وانظر المقالة (حنيفاً ـ حنفاء) في العدد50 من هذه المجلة، وقد وردت (حنيفاً ، حنفاء) في اثنتي عشـرة آية...؛ بلوغ الإرب في معرفة أحوال العرب 2 : 225 ؛ كتاب الخصال للشيخ الصدوق 1 : 455 ، 2 : 455 ؛ الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر 1 : 27 ؛ الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي، سورة إبراهيم : 35 ؛ بحار الأنوار للعلامة المجلسـي 15: 128 ، 93 : 190عن كتاب الخصال للشيخ الصدوق 1 : 150، ومثله في: 29 و30؛ السيرة النبويّة لابن هشام 1: 92.
[17] . سورة النحل : 123.
[18]. انظر موقع رصيف 22: القليس: الكنيسة التي شُيّدت في صنعاء للحلول مكان الكعبة. مقالات: تاريخ كنيسة القليس. مع التنبيه إلى أنَّ الكلام عن هذه الكنيسة، قد لا يخلو من مبالغات، بل وخرافات وامتزاج الحقائق بالشائعات خاصةً فيما يدور في المجالس...
[19]. انظر تفسير البحر المحيط، أبوحيان (ت 754 هـ) ؛ تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي، (ت548 هـ) ؛ الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (ت671هـ)، سورة الفيل ؛ أعلام النبوّة للماوردي ؛ كتاب الكافي للشيخ الكليني(ت 329 هـ) 1 : 439 أبواب التاريخ : باب مولد النبيّ9 ؛كتاب أخبار مكة للأزرقي (ت250هـ) : 154 ؛ المفصل لجواد علي 2 : الفصل: 41. حادثة الفيل..
[20]. انظركتاب الرسائل، للجاحظ : 112.
[21]. تفسير مفاتيح الغيب، التفسير الكبير، الرازي (ت 606 هـ) : الآية.
[22]. تفسير الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (ت671هـ) ؛ المفصل لجواد علي ؛ الأخبار الطوال، أحمد بن داود الدينوري : 63 .
[23] . سورة الحج: 27، 29 .
[24]. تاريخ الخلفاء لجلال الدين السيوطي(849 هـ،911 هـ) : 159 ؛ البداية والنهاية لابن كثير 8 : ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين...
[25]. السيرة النبوية لابن هشام (ت 218هـ) 1 : 50 ؛ تاريخ الطبري (ت310 هـ) 2 : 134 .؛ الكامل في التأريخ، ابن الأثير (ت630 (١404 :؛ وغيرها من مصادر التاريخ والتفسير.
[26]. انظر الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور، السيوطي (ت911هـ) ؛ التيجان في ملوك حمير، تحقيق: مركز الدراسات والأبحاث اليمنية، صنعاء: مركز الدراسات والأبحاث اليمنية : 314 ؛ تفسير البرهان في تفسير القرآن، هاشم الحسيني البحراني (ت 1107هـ) ؛ وغيرها من المصادر.
[27]. تفسير الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (ت671 هـ) ؛ تفسير البحر المحيط، أبوحيان (ت 754 هـ) ؛ تفسير البرهان في تفسير القرآن، هاشم الحسيني البحراني (ت 1107هـ) ؛ في ظلال القرآن لسيد قطب: سورة الفيل.